جمود الاقتصاد يواكب القوة العسكرية وبوتين «لم يعد مدهشاً»

الاثنين - 30 ديسمبر 2019 مـ - رقم العدد [ 15007]

جمود الاقتصاد يواكب القوة العسكرية وبوتين «لم يعد مدهشاً»

2019 عام الآمال والخيبات في روسيا
  • A
  • A
صاروخ أفانغارد الروسي الفرط صوتي الذي أعلن فلاديمير بوتين دخوله الخدمة في القوات الروسية في عام 2019 (إ.ب.أ)
موسكو: رائد جبر

«عام العمل الدؤوب»، بهذه العبارة المختصرة لخص الرئيس فلاديمير بوتين مجريات عام 2019، وهو يستعد لمواجهة الجمهور الروسي في مؤتمر صحافي سنوي شامل يتضمن عادة مراجعة لأبرز إنجازات أو إخفاقات العام الماضي.

هذه المناسبة كانت لها أهمية خاصة بالنسبة إلى بوتين، إذ تزامنت مع حلول ذكرى حدثين: أولهما أن نهاية هذا العام مرتبطة بنهاية العقد الثاني في القرن، الذي شهد تطورات واسعة جداً في روسيا والعالم، ما يعني أن رصد الأحداث لم يعد مرتبطاً بمجريات العام وحده، بل بعشر سنوات كاملة شهدت فيها روسيا تحولات كبرى.

الثاني، هو الأهم بشكل شخصي بالنسبة إلى بوتين، أن نهاية العام تصادف مرور عشرين سنة على توليه سدة الحكم، منذ أن عيَّنه الرئيس الراحل بوريس يلتسن رئيساً للوزراء في اليوم الأخير من عام 1999. قبل أن يفوز بانتخابات رئاسية رُتّبت على عجل في ربيع العام التالي.

ويتزامن حلول تلك الذكرى مع تراجع شعبية بوتين إلى مستويات متدنية، خلال عام 2019. الأمر ربطه خبراء ليس فقط بتدهور الأحوال المعيشية، وإقدام السلطات على إصلاحات موجعة، مثل تعديل قانون التقاعد الذي فاقم من مزاج التذمر في البلاد، بل وصول الروس إلى مرحلة بدت فيها الحياة السياسية الداخلية رتيبة، وبات بوتين «غير قادر على إدهاش المواطنين»، وفقاً لتعبير رئيس أحد مراكز دراسات الرأي العام المرموقة، ما وضع أسئلة جدية أمام الاستحقاقات الانتخابية، وفي حين برز ذلك خلال العام المنقضي في تراجع مواقع حزب «روسيا الموحدة» الحاكم، الذي كان يهيمن بشكل شبه مطلق على المناطق والأقاليم، فإن الاستحقاق الأهم لبوتين وفريقه، هو آليات التحضير لانتخابات الرئاسة المقبلة في 2024، عندما تنتهي الولاية الثانية والأخيرة للرئيس.

في هذه الأجواء، كان لعام 2019 أهمية خاصة في روسيا، وكان من الضروري التركيز فيه على «حجم الإنجازات الضخمة» التي تحققت في البلاد خلال السنوات الماضية، وجزء كبير منها برز بقوة هذا العام من خلال الحملات الإعلامية والدعائية القوية.

لذلك، لم تكن مجرد مصادفة أن يتعمد «الكرملين» تكرار عقد المقارنات بين أحوال البلاد اليوم، وأوضاعها قبل عقدين، عندما كانت روسيا تشهد حرباً أهلية طاحنة، ويعبث «حيتان المال» وتجار الأزمات الكبرى باقتصادها وثرواتها، في حين تتجول «المافيات» في الشوارع وتسيطر على المدن والأقاليم. وعلى المستوى الاجتماعي، كانت روسيا تخسر مليون نسمة سنويا بسبب تدهور القطاع الصحي، والرعاية للأطفال، وتزايد معدلات الفقر والجوع. أما سياسياً، فكانت روسيا على حافة الانقسام والتفكك، في ظل أسوأ علاقة سببتها الأزمات بين الأقاليم والمركز الفيدرالي، وبدت قبضة الحكم في موسكو عاجزة عن السيطرة على الأوضاع.

«نحن الآن نعيش في بلد آخر»، هكذا خاطب بوتين مواطنية قبل أيام. وهي حقيقة لا يمكن نكرانها مهما بلغت حدة المشكلات الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية التي عانت منها روسيا في 2019.

في نهاية العام، بدأ الرئيس الروسي الذي نجح في إعادة البلاد إلى المشهد الدولي بقوة، وباتت كلمتها مسموعة في الملفات الإقليمية والعالمية، مضطراً لتقديم «جردة حساب» كاملة، وتأكيد أن روسيا تحت قيادته «لم تعد تعيش على تركة الاتحاد السوفياتي الصناعية والعلمية والإنتاجية»، وهو أمر لطالما تحدث عنه خصوم «الكرملين». وعلى الرغم من أن خبراء لا يرون في المقولة تجنياً كبيراً على الحقيقة، فإن بوتين قدم أرقاماً وإحصاءات دلت على أن 75 في المائة من القوة الصناعية حالياً في روسيا تم إنشاؤها بعد عام 2000. ولفت إلى تطور واسع في البنى التحتية وتطور قطاعات مهمة مثل الزراعة وصناعة الآليات، وقال إن «روسيا تحولت من بلد مستورد للحبوب إلى أكبر مصدر عالمي للقمح». وأشار إلى مواصلة التطوير العسكري، مشدداً على أن روسيا باتت تمتلك «واحداً من أقوى الجيوش في العالم»، لافتاً إلى «تحديث القاعدة الصناعية العسكرية بشكل كامل»، وأضاف: «نصنع حالياً طرازات من الأسلحة لا مثيل لها في العالم». وعلى المستوى المعيشي الاجتماعي أشار إلى تزايد المعدلات العمرية للروس بفضل الإصلاحات، وتراجع معدلات الوفيات بين الأطفال، وتحسين الأداء الصحي والتعليمي في البلاد. وتوقف طويلاً عند حال الاستقرار والأمن في روسيا حالياً، بالمقارنة مع الفوضى والحروب الدموية في السابق. بهذا الشكل، برز من خطاب الكرملين أن عام 2019 شكل عام الانتهاء من وضع أسس الانتقال الكبير في روسيا، إلى مرحلة جديدة من التطور، وهنا تكمن أهمية الإعلان خلال السنة المنقضية عن طفرات أساسية تم تحقيقها، منها مثلاً النجاح في وقف التراجع الديموغرافي في البلاد، والانتقال إلى مرحلة تزايد السكان، وهي عملية بطيئة لكنها ثابتة وفقاً لإحصاءات رسمية. ومنها المحافظة على معدلات نمو اقتصادي محدودة جداً، لكنها تمثل إنجازاً بالمقارنة مع الأرقام المتشائمة التي كانت تؤكد على أن «الأزمة الاقتصادية في روسيا لم تبلغ القعر بعد، والقادم أسوأ». الآن يتحدث الخبراء عن معدلات تتراوح بين 1.2 و1.5 في المائة. وقد يكون الإنجاز الأكبر، وفقاً للكرملين، هو النقلة الكبرى على صعيد التطوير العسكري، في عام 2019، انتهت مرحلة الإصلاح التي استمرت خمس سنوات، وأسفرت عن تحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للعسكريين، لكن الأهم أنها أفرزت «واقعاً عسكرياً جديداً على مستوى تطوير تقنيات جديدة «لا مثيل لها في العالم».

يؤكد الكرملين أنه حقق طفرة جدية في إنتاج منظومات صاروخية حديثة، وتطوير شبكة رصد إلكترونية للتنبيه من الخطر الخارجي، سيتم نشرها على طول الحدود، وكان أعلن قبل ذلك عن تطوير شبكة إنترنت وطنية، حتى لا تبقى روسيا تحت رحمة مقدمي خدمات الإنترنت الأجانب. يُضاف إلى ذلك لائحة طويلة من الإنجازات التي جعلت البعض يتحدث عن أن العام كان نقطة تحول، و«عام آمال» بالنسبة إلى الروس. لكن في المقابل، يشير خصوم الكرملين إلى «خيبات كثيرة» وانكسارات على المستوى الداخلي برزت خلال العام.

تقول المعارضة إن كل ما يمكن أن «يفخر به الكرملين هو بعض النجاح على المسرح الدولي». لكن صعوبة الوضع داخل روسيا يتخطى نجاحات السياسة الخارجية. ينطلق هؤلاء من عناصر عدة تجلت خلال العام المنقضي، بينها إقرار بأن السياسة النقدية تمكنت من الحفاظ على سعر صرف الروبل. وخفضت وزارة المال حجم مشتريات الصندوق الوطني للرفاه بمعنى القدرة على مراكمة الثروة الوطنية، لكن الأرقام تؤكد أن تعزيز الروبل تم على حساب إفقار السكان، إذ ارتفع مستوى الفقر في روسيا في 2019 إلى نحو 15 في المائة، ونتيجة لذلك، كانت إيرادات 20.9 مليون روسي بالفعل دون مستوى الكفاف. وبلغ نمو الدخل الحقيقي للسكان أقل من واحد في المائة، في مقابل توقعات أعلنتها غالينا إيزوتوفا، نائبة رئيس غرفة الحسابات، بأن تزيد هذه النسبة عن 2 في المائة.

هكذا يقول المعارضون إن «جيش الفقراء زاد، وإن مشكلات البطالة تفاقمت. وفي المقابل زاد أصحاب المليارات». وفي أكتوبر (تشرين الأول) نشرت «بلومبرغ» مؤشر المليارديرات الذي أظهر أن ثروة الأثرياء الروس زادت بعشرات المليارات، وأن 10 من أغنى الروس يملكون 82 في المائة من حجم الثروة في البلاد.

ورغم أن المعارضين يوردون حوادث كثيرة وقعت في 2019 لتوقيف أو محاكمة أثرياء استغلوا مناصبهم في الدولة لتوضيح حجم الفساد في البلاد، فإن هذه الحقيقة يستخدمها أنصار بوتين لتأكيد أنه عزز الحرب على الفساد، وأنها باتت تطال رؤوساً في السلطة.

أيضاً يتحدث معارضون عن أن 2019 كان عاماً صعباً لدعاة التغيير في البلاد، إذ شهد استخدام قبضة أمنية قوية ضد المحتجين على الفساد، وتم توقيف مئات الأشخاص، لكن الأهم هو سلسلة القوانين التي تم تبنيها هذا العام للتضييق على النشاط العام على الشبكة العنكبوتية، وعلى تأسيس الأحزاب، أو منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى صدور قانون «العملاء الأجانب» الأفراد، بعدما كان هذا القانون يتعلق بالمؤسسات فقط، ما يعني حالياً أن أي شخص يتسلم مبالغ نقدية من الخارج ويحاول القيام بنشاط سياسي يمكن إدراجه ضمن لائحة «العملاء الأجانب».

أيضا دلت دراسات الرأي العام إلى تصاعد حال الإحباط. ووفقاً لدراسة أجراها مركز «ليفادا»، يسعى 62 في المائة من الروس إلى السفر، وغالبيتهم تفضل الاستقرار في بلد آخر، إذا توفرت لها الفرصة بذلك.

عموماً يرى كاتب في صحيفة مستقلة أن 2019 كانت «سنة الآمال الخادعة لإجراء تغييرات إيجابية. من الناحية الاجتماعية، أعلن المجتمع استعداده للتغيير. هذا هو الاتجاه الجديد. يطلب المجتمع عدالة اجتماعية - وهذا أيضاً رد فعل على تدهور الوضع الداخلي».

في كل الأحوال، وبين خطاب السلطة وشكاوى المعارضة، يمكن تمييز عام 2019 بأنه طرح السؤال الأساسي في البلاد: وماذا بعد؟ حتى الآن لم يتخذ الكرملين قراراً بشأن الخطة التي بموجبها سيبقى بوتين في السلطة بعد عام 2024. لكن ثمة إشارات عدة إلى احتمال إجراء تعديلات دستورية أو البحث عن آليات أخرى، بينها إطلاق مسار دولة الوحدة مع بيلاروسيا، لتجري فيها انتخابات بدستور جديد وقانون انتخابي جديد. الواضح أن البلاد تحاول الخروج من الجمود الاقتصادي، وتواجه تحديات اقتصادية وسياسية ومعيشية كبرى، والواضح أكثر أن النظام السياسي يبدو في نهاية عام 2019، والاستعداد لدخول العشرية الثالثة من القرن متماسكاً وقوياً ومستعداً أكثر لمواجهة أي محاولة لتقويض النهج الذي تكرس في البلاد على مدى عقدين.


حصاد

الوسائط المتعددة