أسبوع لندن للأزياء الرجالية يتبنى الأمل في مواجهة الحرب

الخميس - 09 يناير 2020 مـ - رقم العدد [ 15017]

أسبوع لندن للأزياء الرجالية يتبنى الأمل في مواجهة الحرب

أعراس وتعاون مع رسّامين ومصورين لخريف وشتاء 2020
  • A
  • A
لندن: جميلة حلفيشي
بينما كانت الحرائق مستعرة في غابات أستراليا، والعالم قلق تجاه الأحداث السياسية المتصاعدة ومخاوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة، انطلق أسبوع الموضة الرجالي لخريف وشتاء 2020 في لندن وليس على بال معظم مصمميه، إن لم نقل كلهم، سوى البيئة والاستدامة وزرع الأمل في النفوس. المصممة الإيرانية الأصل، باريا فارزانة، مثلاً، عادت إلى البرنامج الرسمي بتشكيلة صاغت فيها نقشات إيرانية قديمة نفذتها في أصفهان بنظرة مستقبلية مفعمة بالتفاؤل، جسدتها في عُرس تقليدي. فقد جعلت عروساً بفستان زفاف أبيض وتجلس على كوشة، خلفية لعرضها. فسرت الأمر بقولها: «في بعض الأوقات، جميل أن نحتفل بالسعادة في أبسط حالاتها. فعرض أزياء تقليدي لا يعني لي الكثير... أفضل عرضاً يختزل المشاعر الإنسانية الحقيقية». اللافت أنه، رغم أجواء السعادة التي كانت تأمل أن تنثرها بجلوس عروس على «كوشة»، أو باستعمالها أقمشة مصنوعة من مواد وخامات تراعي البيئة وتخاصم كل ما يضر بها، ظهرت مجموعة مستوحاة من ملابس العسكر أعطت الانطباع كما لو أن العارضين يتأهبون لحرب. كانت هناك أخرى في غاية الوظيفية والعملية، مصنوع أغلبها من القطن. كان لسان حال فارزانة يقول إننا في هذا الزمن متسارع الأحداث، علينا أن نستعد لكل المستجدات والتحديات اليومية. «فنحن لا نعرف ما يُخبؤه لنا الغد... كل ما يمكننا القيام به هو أن نتسلح بالثقة والواقعية وأن نكون على أتم الاستعداد لرحلتنا القادمة» حسب قولها. إلى جانب التصاميم المستلهمة من الواقع المعاش، استلهمت المصممة أيضاً من الفنان أولافور إلياسون، الذي تُخصص له قاعة «تايت مودرن» بلندن معرضا خاصا هذه الأيام. فأعماله بالنسبة لها تأخذ المشاهد إلى فضاء سريالي لا تحدده الأسوار والحدود، وهو ما يعني لها دمج الأقمشة العملية مثل القطن بتقنيات مستدامة.

الاستدامة وما شابهها، من الموضة السريعة إلى استغلال العمال في دول العالم الثالث، كانت أيضاً على بال باتريك غرانت، مصمم دار «إي توتز»، بل وربما تؤرقه. هذا على الأقل ما نفهمه من الكلمات القوية في المنشور الصحافي الذي وضعه على كراسي الضيوف، وقال فيها إن «الموضة هي قطاع الاستهلاك والتدمير بلا منازع... فهي تُؤثر سلبا على البشر والكون أكثر من أي صناعة أخرى». لحسن الحظ أن تصاميمه لم تعكس هذا الغضب والتشاؤم. 26 قطعة، هي مجموع ما قدمه، وكلها بعثت الكثير من السعادة في النفوس بتفصيلها الدقيق الذي استلهمه من خياطي «سافيل رو» إضافة إلى رشة روح متمردة، تمثلت في جرأة زائدة تظهر أحياناً في شكل إثارة حسية أو في تنكر واضح للذوق المتعارف عليه. لكن ما يشفع له هذا التمرد أن أكثر من 50 في المائة من التشكيلة مستدامة يمكن أن تبقى في خزانتنا إلى الأبد، حيث تم صُنعها من أقمشة زودتها له شركة «استكو» المتخصصة في التدوير الصناعي.

عرض إدوارد كراتشلي في المقابل كان طبقا دسما من الأناقة الكلاسيكية والعصرية. فكراتشلي الذي كان قرابة عقد من الزمن، اليد اليمنى لكيم جونز قبل التحاق هذا الأخير بـ«ديور أوم»، لم يعد مجهولاً بعد فوزه في عام 2019 بجائزة «وولمارك». اسمه حالياً متواجد في الكثير من المحلات ويتردد في عدة مواقع. لخريف وشتاء 2020، قدم تشكيلة غنية، بالمعنى الحرفي للكلمة. أغدق عليها الكثير من التطريزات والرسمات الفنية، كما استعمل فيها أقمشة مترفة مثل الجاكار. اللافت أيضاً حضور الفرو فيها من خلال معطف بحجم كبير. ومع ذلك يبقى المثير فيها تعاونه مع الفنان إيريك جونز، ما جعل مجموعة منها تبدو وكأنها لوحات فنية متحركة يتميز بعضها بالشقاوة والروح الإنجليزية. إدوارد كراتشلي شرح أن بداية هذا التعاون جاءت بعد شرائه لوحة للفنان كمكافأة لنفسه بعد فوزه بجائزة «وولمارك». أعجب بها إلى حد دفعه للاتصال بالفنان عبر الإنستغرام مقترحا عليه التعاون. لم يتردد هذا الأخير وكانت ثمرة هذا التعاون مجموعة غير مخيبة للآمال، ستجد فيها المرأة أيضاً حصة لا يستهان بها موجهة إليها من خلال تنورات مستقيمة وجاكيتات ومعاطف مفصلة.

المصممة غرايس وايلز بونر هي الأخرى استعملت الفن لإيصال رسالة غاصت فيها في ثقافة السود وهويتهم. فالمصممة الشابة (29 عاما) تتحدر من أصول جامايكية من جهة والدها، حيث قدم جدها للعمل في بريطانيا في الخمسينات. لكن ذاكرتها سجلت أحداثاً مر بها الجيل الثاني الذي ينتمي إليه والدها، وهو ما ظهر في تشكيلة مفعمة بعبق السبعينات. حقبة تميزت بحركة شبابية قوية تحركها موسيقى «الريغي» والرغبة في احتضان ثقافات بعيدة. كان مهما بالنسبة لبونر أن تُجسد قدرة المهاجرين على التأقلم مع مجتمعهم الجديد، وتُسجل إعجابها بتحقيقهم المعادلة بين احترام التقاليد البريطانية وعدم تنازلهم عن أصولهم الكاريبية. مثل إدوارد كراتشلي شعرت بالحاجة لأن تضفي رشة فنية على تصاميمها، ووجدت ضالتها في المصور جون غوتو الذي التقط صوراً للجالية الأفريقية الكاريبية في جنوب شرقي لندن في السبعينات. كانت أعماله مهمة لها لأنها كانت جزءا من بحثها عن جذورها. أيضاً استحضرت أعمال الفنان التجريدي، فرانك بولينغ، الذي ولد في غيانا البريطانية، وخصصت له قاعة «تايت مودرن معرضاً استرجاعياً في العام الماضي. ظهرت رسوماته من الطيور الساطعة الألوان في قمصان حريرية كرمز للرغبة في الحرية. تصاميمها الأخرى في المقابل لم تكن بوهيمية، «هيبية» على الإطلاق، بل تأثرت بتفصيل «سافيل رو»، رمز الأناقة الإنجليزية. ما قامت به أنها أضافت إليها لمسات كاريبية مثل الأزرار الذهبية البراقة، بينما لونت القبعات المصنوعة من الصوف الاسكوتلندي بألوان ترتبط بجامايكا. كانت هناك محاولة جادة للاحتفال بتقاليد الخياطة البريطانية وفي الوقت ذاته تفكيكها بإدخال عناصر من ثقافات أخرى كانت جد مناسبة لما تشهده الساحة البريطانية من أحداث، على رأسها خروجها القريب من الاتحاد الأوروبي وتأثيراته على الهجرة.

- قطاع الأزياء الرجالي يحاول استعادة بريقه

ما يمكن أن نتعلمه من أسبوع لندن لخريف وشتاء 2020، في دورته الـ15، أن الموضة أحوال. بمعنى أنها يمكن أن تتغير في رمشة عين. والمقصود هنا ليس صرعة أو تقليعة جديدة تنتشر انتشار النار في الهشيم من دون سابق مقدمات أو من دون أن تكون لها مؤهلات لذلك، بل قطاع الأزياء الرجالية ككل. فبعد أن انتعش في بداية العقد وتوقع الكثيرون أنه سينمو أكثر من قطاع الأزياء النسائية في حال استمر الإقبال على الوتيرة نفسها، تراجع في العام الماضي بشكل لا يمكن إنكاره.

فأسابيع الموضة التي انطلقت في الكثير من العواصم العالمية لتخاطب الجنس الخشن بتصاميم وألوان ناعمة، تقلصت، وتم دمج أغلبها مع عروض الأزياء النسائية حفاظاً على ماء الوجه من جهة، وتقليصا للتكاليف من جهة ثانية.

لكن وحسب التقارير المنشورة مؤخراً، فإن عروض الأزياء الرجالية بدأت تسترجع قوتها. أسبوع لندن الرجالي، مثلا، عقد شراكة مع أسبوع ميلانو سيعرض فيها بعض مصمميه في عاصمة الموضة الإيطالية.

كما أن «برادا» التي غابت في الموسم الماضي مفضلة التوجه إلى شانغهاي، قررت العودة هذا الموسم إلى أراضيها، بينما دمجت كل من «غوتشي» و«سالفاتوري فيراغامو» عروضهما الرجالية والنسائية مع بعض.

أما بالنسبة لدور الأزياء الكبيرة التي تعتبر تكاليف عرض أزياء يقدر بمئات الآلاف من الدولارات، لا شيء مقارنة بما تجنيه من سمعة وصيت، فهي لا تعتبر عروضها الرجالية مغامرة بقدر ما تعتبرها استراتيجية واضحة لجذب رجل أصبح مدمنا على الموضة والشراء. كما تعتبره استثماراً إعلانياً يجلب لها الكثير من المشاهدات على الإنستغرام.

ورغم كل هذا، فلا بد من القول إن ميلانو وباريس من أكثر المستفيدين من هذا القطاع بحكم باعهما الطويل في هذا المجال. بالنسبة للندن، فأسبوعها الأخير أكد أنه يحتاج إلى فترة نقاهة أكبر قبل أن يتعافى ويستعيد وهجه الأولي.

الأمر نفسه ينطبق على أسبوع نيويورك، الذي تأسس إثر النجاح الذي حققته لندن، لكن الوقت لم يكن مناسباً، الأمر الذي جعله متأرجحا على كف عفريت وليس ببعيد إلغاؤه.

لكن إذا كان مصير نيويورك لا يزال مجهولاً، فإن مصير أسبوع لندن لا يثير الكثير من القلق بفضل العقلية «الإنجليزية» المعروفة بتفكيرها التجاري الفذ، وأيضاً بقدرته على استباق الأمور وهو ما يجنبه الكثير من المطبات. شراكته مع ميلانو كانت ضربة معلم، انعكست أيضاً على التصاميم التي اقترحها مصممون لخريف وشتاء 2020، ابتعدت عن مفهوم «الفنون جنون» وتبنت الفنية من خلال تعاونات جادة مع رسامين ومصورين فوتوغرافيين.

أما جنون أيام زمان، فقد اقتصر على عروض تُحسب على أصابع اليد الواحدة، كان أغلبها لمصممين حديثي التخرج، ليس لديهم ما يخسرونه بعد، ويفورون شبابا ورغبة في خض التابوهات.

ديلان جونز، رئيس الأسبوع الرجالي ورئيس تحرير مجلة «جي كيو» النسخة البريطانية شرح أن الشراكة مع كل من ميلانو وباريس تأتي بسبب توقيت الأسبوع السابق لأوانه الذي ليس في صالحه. فقد جاء بعد أربعة أيام فقط من حلول العام الجديد، وهو ما يعني أن البعض لا يزال في إجازة وفاته حضور الكثير من العروض يومي السبت والأحد.

وحتى يمنح المشاركين فرصة أكبر لعرض تصاميمهم، كانت فكرة تقديمها أيضاً في العاصمتين الإيطالية والفرنسية خلال أسبوعيهما فكرة جيدة يمكن أن تعوضهم بعض الشيء.

لكن ديلان جونز أشار أيضاً إلى أن العملية بمثابة تجربة «نأمل منها إيجاد طرق جديدة للتعاون والعمل مع بعض بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».

- في عام 2019 عقد مجلس الموضة البريطانية أيضاً شراكة مع أسبوع سيول تتبادل بموجبه الخبرات والبرامج. ويشمل الأمر مشاركة بريطاني في أسبوع سيول في موسم، وكان هذا من نصيب «كوتويللر» العام الماضي، ومصمم كوري في لندن في موسم آخر، وكان هذا من نصيب هيون مين هان، المعروف بـ«مون» Munn الذي شارك في العام الماضي بتشكيلة ساخنة لربيع وصيف 2010، وأعاد الكرة مؤخرا لخريف وشتاء 2020.

وكان هيون مين هان قد أطلق ماركته في عام 2013، بهدف مزج الكلاسيكي بالعملي من خلال الطبقات المتعددة والأقمشة المتنوعة في القطعة الواحدة وأيضاً التفاصيل «السبور» مثل السحابات وغيرها.
المملكة المتحدة موضة

الوسائط المتعددة