ملكة المخللات الهندية تحافظ على وصفات الماضي

الاثنين - 13 يناير 2020 مـ - رقم العدد [ 15021]

ملكة المخللات الهندية تحافظ على وصفات الماضي

في كتاب بسيط نُشر قبل 20 سنة
  • A
  • A
شيناي (الهند): تيجال راو

يُعتبر كتاب أوشا براباكاران لفنون الطهي، الذي نُشر لأول مرة بالجهود الذاتية قبل 20 سنة، مليئاً بوصفات الطهاة من المنازل، وهو كتاب بسيط للغاية، لكنّه تحول على نحو غير المتوقّع إلى أفضل كتب الطهي الكلاسيكية في البلاد.

كانت براباكاران في منزلها، تتحدث عبر الهاتف مع صديقة لها في الكلية، عندما تلعثمت على نحو مفاجئ، وتداعت الكلمات من بين شفتيها، وغامت الرؤية أمام عينيها، ثم سقطت سماعة الهاتف من يدها، لتسقط هي بعدها على الأرض.

كان العام هو 1998، وكانت براباكاران المحامية السابقة تعيش في مدينة تشيناي، وهي من كبريات المدن الهندية على الساحل الجنوبي الشرقي من البلاد، وكانت قد أمضت عشر سنوات كاملة من البحث واختبار مختلف الوصفات من أجل كتابها لفنون الطهي الشاملة تحت عنوان «وصفات أوشا للمخللات». وكانت هناك احتفالية من المقرر انعقادها في الأسبوع التالي.

وبعد سقوطها على الأرض ونقلها إلى المستشفى، علمت براباكاران أنّ هناك نوعاً نادراً من الفطريات قد احتلّ مكاناً غريباً من مقدمة رأسها، وأنّها في حاجة إلى إجراء جراحة لإزالة الورم المتكون عندها، مع فترات مطولة من الوقت للتعافي والاستشفاء التام. وسرعان ما نسيت أمر الكتاب والاحتفالية تماماً.

لكن على مدار العقدين التاليين، تحول كتاب «وصفات أوشا للمخللات»، الذي نشره مؤلف غير معروف بالجهود الذاتية مع أول طبعة منه ضمت 1000 نسخة فقط، إلى كتاب للوصفات الكلاسيكية في داخل البلاد وخارجها، وأشاد كثيرون بالدقة التي اتسمت بها الوصفات وتنوع المجالات التي تناولها، وجرى الاحتفاء به كثيراً عبر المدونات والمنصات الاجتماعية مع البحث الحثيث عن طبعاته في أكشاك بيع الكتب والمتاجر حيث كان يُباع. وكانت النسخ الورقية المطبوعة من الكتاب نادرة للغاية. على مدى سنوات، كانت الطريقة الوحيدة للحصول على الكتاب هي إرسال رسالة بالبريد الإلكتروني إلى براباكاران، التي كانت تعد القراء بطباعة كمية جديدة قريباً، عندما تشعر بتحسن حالتها الصحية.

وكان هناك بعض الطهاة الذين لم يسعهم الانتظار، فصوّروا صفحات الكتاب تصويراً فوتوغرافياً، وتناقلوا النسخ المصورة فيما بينهم، الأمر الذي لم تعترض عليه براباكاران، إذ لم يساورها شعور بانتهاك حقوق الملكية لتلك الوصفات. واشتهرت المؤلفة بالإجابة عن الأسئلة والاستفسارات الودية باستخدام ملف (PDF) مجاني، وهي الطريقة التي انتقل بها كتابها عن فنون المخللات حول العالم كمادة مرفقة في رسائل البريد الإلكتروني.

عمر براباكاران اليوم (64 سنة)، وتُعرف في الهند باسم «ملكة المخللات»، غير أنّها لم تكن أبداً مهتمة بالتكسب من وراء هذا اللقب. وقالت من منزلها في مدينة تشيناي: «لا أعرف شيئاً أبداً عن الطباعة والنشر، ولم أكن مهتمة ببيع الكتب، ومهمتي كانت الحفاظ على الماضي ووصفاته على قدر الإمكان».

ترجع ثقافة المخللات في الهند إلى آلاف السنين عندما كان الخيار وغيره من الخضراوات يجري حفظها في الملح بكل بساطة. لكن صناعة المخللات الهندية الحديثة صارت أكثر تعقيداً، وربما أكثر لذة من حيث الإضافات الكثيرة التي تمنحها مذاقات حارّة ومميزة مع المعطرات والنكهات والتوابل المطحونة المستخدمة.

تتذكر شيترا أغراوال، مؤلفة كتاب عن الطهي ومؤسسة شركة لصناعة المخللات الهندية في مدينة نيويورك تحت اسم «بروكلين دلهي»، الأواني الفخارية التي كانت تحتفظ بها جدتها في مدينة بنغالورو في جنوب الهند، وكانت تحفظ فيها الليمون في محلول ملحي لاذع المذاق. وهذه المخللات على أسلوب صناعتها في ولاية كارناتاكا الهندية كان يُضاف إليها الفلفل الأخضر الطازج وزنجبيل المانغو، وهي سيقان جذرية نباتية من عائلة الكركم المعروف.

لكن المخللات التي كانت تعرفها أغراوال لدى أسرتها في الهند كانت مختلفة تماماً، بالنسبة إلى المخللات على طريقة ولاية البنجاب، فإنّهم يستخدمون فيها الفلفل الأحمر الطويل المحشو بصورة فردية ببذور الشمر، وبذور البصل، وبذور الحلبة، ثم تُخزّن في محلول من الزيت وليس الملح. وتُباع مخللات المانغو والليمون في الولايات المتحدة، لكن كل شيء يمكن تخليله في الهند: مثل الخوخ، والمانغو الصغير، والكرز، والبرقوق المخمر، وزهور الكركديه، والجوز الأخضر. ويعمل الطهاة على تخليل جميع أنواع الفاكهة، والخضراوات، والزهور، والجذور، والبذور، مستخدمين في ذلك كل ما يصلح تناوله وأكله من الأطعمة المختلفة.

تتناوب هذه المخللات بين وجبات الإفطار والغداء والعشاء في كل يوم، مما يزيد من مذاق ولذة كل وجبة منها، حيث تُضاف إلى طبق الأرز العادي وحتى ساندويتش الجبن المشوي.

يجري الحفاظ على العديد من الأطعمة عن طريق التخمير اللاهوائي؛ إذ تُجفّف الأطعمة الطازجة تحت أشعة الشمس أولاً للتخلص من الرطوبة الزائدة فيها، ثم تدخل عملية التمليح. وفي دفء أشعة الشمس، تتناول البكتريا السكروز، مع إنتاجها للأحماض التي تساعد على حفظ الأطعمة، مع منع نمو البكتريا الضارة الأخرى.

وهناك أنواع أخرى من المخللات التي توضع في الماء المالح، مع الخل، وعصير الحمضيات، وعصير التمر الهندي، وحتى مع الزبادي كذلك. والسمة الوحيدة المميزة للمخللات الهندية هي اختلاف أنواع الأطعمة التي يجري تخليلها. وتقول براباكاران عن ذلك: إنّ «مجموعة هائلة للغاية من التبادليات المحيرة للعقول». وكانت براباكاران قد حصرت بين دفتي كتابها، 1000 وصفة فقط لا غير. وعندما حصلتُ على نسختي الورقية المطبوعة من كتابها «وصفات أوشا للمخللات» أصابني الذهول مما قرأت.

فالكتاب ليس جميلا كما توقعت، بل هو أيضاً مليء بالكتابات والنصوص الكثيرة، مع الحد الأدنى من الصور والتصميم الفني. وهو يشبه إلى حد كبير دليل الطبخ الأكثر نفعية بعيداً عن الاهتمام بالإخراج الفني، مثل كتب الطهي التي كانت شائعة في السبعينات. وتقول براباكاران عن كتابها إنّ «المقصود من كتابي أن يستعين به الأشخاص الذين يطبخون»، ولذلك فهو كتاب سردي مفعم بالمعلومات والبيانات والإرشادات.


- خدمة «نيويورك تايمز»


الهند مذاقات

الوسائط المتعددة