السناري... عندما يفتح التاريخ بواباته للفن والحياة

الأربعاء - 15 يناير 2020 مـ - رقم العدد [ 15023]

السناري... عندما يفتح التاريخ بواباته للفن والحياة

  • A
  • A
أحد مداخله المصنوعة من الحجر وتحده مشربيات خشبية
القاهرة: منى أبو النصر

حارة ضيقة تفصل بين نهر طريق الناصرية في حي السيدة زينب بالقاهرة وبيت «السناري» الأثري. بيت ما إن تقف على أعتابه الحجرية حتى تشعر أنّك قد جاورت زمناً آخر، وتركت زمنك في الخارج.
ورغم اعتباره مكاناً أثرياً، فإنّ بيت السّناري لم يتحوّل إلى متحف مغلق، بل إلى مكان لاستضافة الأنشطة الثّقافية في مصر، بعد أن انتقلت ملكيته إلى مكتبة الإسكندرية.
ولا تستقيم قصة بيت السناري من دون المرور على سيرة صاحبه، وهو الأمير إبراهيم السناري الذي نُسب البيت لاسمه. وقد رصد شيخ المؤرخين الجبرتي سيرته في أحد مؤلفاته، ذاكراً أنه من أهالي دنقلة في السودان، ونال من الصعود درجات حتى عُيّن «كتخدا»، أي ما يوازي درجة «محافظ» في لغة اليوم، وصار من أثرياء القاهرة، وكانت له عدة بيوت، أبرزها البيت الذي خلّد اسمه بعد أن أنفق أموالاً طائلة على بنائه.
وفارق إبراهيم السناري الحياة في مشهد درامي مُفجع، بعد أن دُعي مع عدد من الأمراء للحضور إلى الإسكندرية عام 1801، من قبل حسين باشا القبطان العثماني، وكانت خدعة منه لقتلهم جميعاً، فدفن السناري هناك بعيداً عن بيته.
ويرجع تاريخ إنشاء «بيت السناري» لعام 1794. وقبل عدة أعوام على رحيل صاحبه، كان الفرنسيون قد صادروه في عام 1798، وجعلوا منه مقراً لأعضاء لجنة العُلوم والفنون، وخُصّص بعدها لإقامة مصورّي ومهندسي وعلماء الحملة الفرنسية. وورد في كتاب «وصف مصر» أنّ كثيراً من الرّسوم والأبحاث التي أنجزها الرسّام الشهير هياسنته ريغو الذي جاء إلى مصر مع الحملة الفرنسية، تمت في بيت السناري.
ويبدو الأثر الفرنسي جلياً على تاريخ البيت وموقعه، حتى أنّ الحارة التي تؤدي إلى بيت السناري يُطلق عليها حتى اليوم حارة «منج»، نسبة إلى أحد علماء الحملة الفرنسية الذي أقام في هذا البيت. ومن ثمّ، تناوب فنانو وعلماء الحملة الفرنسية على الإقامة في البيت، حتى أخلي في عام 1933. وقد نقل إليه المجمع العلمي المصري 2012 بعد احتراق مقره القديم.
والقيمة التاريخية الكبيرة للبيت ترجع لالتقاء علماء وفنانين من الشرق والغرب في باحته، كما أنّه يتّسم كذلك بقيمة معمارية لا تفقد أصالتها مع الأيام. فمدخل البيت الكبير المُطل على حارة «منج» مصنوع من الحجر، وتحده «مشربيات» خشبية تأخذك إلى ممر على هيئة كهف يؤدي بالزائر إلى فناء البيت الفسيح الذي تُزينه نافورة، وتُطل عليه غرف البيت العلوية بنوافذها الخشبية الكبيرة الشّاهدة على فنون هذا العصر المعمارية، وتصعد إلى الغرف العلوية عبر درج حجري أملس يُحاكي تاريخ البيت القديم.
ومنذ أن توّلت مكتبة الإسكندرية الإشراف عليه، وبدأت في إدارته بشكل يتكامل مع سياستها وأهدافها بنشر الثّقافة والوعي الجماهيري، ينظم البيت برنامجاً شهرياً يضمّ أنشطة للأطفال، بالإضافة إلى الحفلات الشّهرية والنّدوات التثقيفية والمعارض الفنية والمحاضرات العلمية، لا سيما في أساسيات ترميم الآثار والخط العربي، وفنون العمارة الإسلامية والقبطية، وصناعة الجلود، وفنون الزّجاج، وغيرها من الأنشطة التي تجعله بيتاً من التاريخ يفتح بواباته للفن والحياة.


مصر سفر و سياحة

الوسائط المتعددة