«برلين السينمائي» ينطلق الأسبوع المقبل متجدداً بعزم قديم

الجمعة - 14 فبراير 2020 مـ - رقم العدد [ 15053]

«برلين السينمائي» ينطلق الأسبوع المقبل متجدداً بعزم قديم

تاريخ من الذكريات والاكتشافات الفنية
  • A
  • A
بالم سبرينغز: محمد رُضا
بعد أسبوع واحد ينطلق مهرجان برلين السينمائي الدولي بإدارة جديدة وعزم قديم على مواصلة طرح هذا المهرجان العتيد كأحد أعمدة الأحداث السينمائية الأساسية حول العالم. تغييرات كثيرة حصلت على مستوى الإدارة برئيسين جديدين ووجوه مختلفة في أركان وأقسام المهرجان مع تجديد في مسميات بعض الأقسام ومحاولة نفض غبار التاريخ في دورة تحمل رقم 70 إذ إن دورته الأولى تمت سنة 1951. أي بعد أعوام قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية وتقاسم ألمانيا ومدينة برلين ذاتها بين حلفاء الأمس وأعداء الغد: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

ليس من عداد السبق الصحافي الانطلاق في تعداد وذكر الأفلام المتسابقة أو سواها. هذه انتشرت منذ أكثر من أسبوعين في بيانات صحافية («برس رليزز») طافت العالم كله. ومع مطلع المهرجان في العشرين من هذا الشهر وحتى الأول من الشهر المقبل، فإن ما قد نذكره اليوم في هذا الصدد لن يزيد عن المعلومات القليلة المتوفرة حول كل فيلم، وسيعاد ذكره، في كل الأحوال، في الغد مع تفاصيل العمل وخلفياته وتقييمه على النحو الذي اعتدنا عليه طويلاً.

لكن ما يوحي به بلوغ المهرجان الألماني العتيد الشهير بدبه الأبيض الواقف على قدميه سنته السبعين هو ذلك السجل العتيد من الأفلام التي مرت على شاشاته منذ ذلك الحين. إنه استعراض مرّ من أمام المتابعين منذ مطلع الخمسينات أو حتى الذين تابعوه في أي من الفترات اللاحقة السابقة لانهيار الجدار الفاصل بين مدينتي برلين وإعادة توحيد المدينة وما خلفه ذلك من تعزيز الدولة الألمانية اقتصادياً وسياسياً.

إذا عدنا بالسنوات إلى عام 1951 فإن إعلان المهرجان جاء مصحوباً بالكلمات التالية: «كل مهرجانات السينما عليها أن تساهم لتفاهم أفضل بين الأمم ولمساندة تطور فن السينما وصناعتها».

وضع هذه الكلمات الرئيس الأول للمهرجان ألفرد باور الذي إذا ما فتحت صفحات موقع المهرجان اليوم وجدت أن هناك من يريد إلغاء جهود بحجة اكتشافه إن باور لعب دوراً إدارياً خلال الفترة النازية. ما كان حجم ذلك الدور وما كنهه وكيف استمر مخفياً حتى العام الماضي هو أمر لم يتم الكشف عنه بعد، لكن المهرجان يحاول ترميم صورة جديدة مستحيلة، فمهما كانت حصّة باور من العمل في حكومة بلاده خلال الحرب العالمية الثانية فإنه أنشأ وترأس مهرجاناً انطلق بنجاح واستمر نجاحه حتى عام 1976 عندما استقال من منصبه وبقي اسمه متداولاً من خلال منح جائزة رئيسية كل سنة باسمه.

تكشف وثائق المهرجان الألماني ذاتها أن دكتور ألفرد باور عمل سابقاً في أرشيف الفيلم الألماني (كان أسمه «مكتب الرايخ الفيلمي») وكان بعيداً عن المناوشات السياسية لدرجة أنه استطاع، بعد الحرب، البقاء في مجال عمله كمؤرخ وإسداء النصائح للحكومة البريطانية حول أرشفة الفيلم البريطاني وسبله.

في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1950 تم عقد إجماع بين مسؤولين أميركيين وبريطانيين تم خلاله إقرار تأسيس هذا المهرجان وتسليم باور إدارته.

فيلم افتتاح الدورة الأولى لم يكن سوى رائعة ألفرد هيتشكوك «ربيكا». والجوائز تم توزيعها تبعاً لأنواع الأفلام فكان هناك جائزة ذهبية لأفضل فيلم درامي (فاز به «أربعة في سيارة جيب» لليوبولد لندبيرغ وأخرى فضية (نالها «ممر الأمل» للإيطالي بييترو جيرمي) وذهبت الجائزة البرونزية إلى الفيلم البريطاني «نسخة براونينغ» لأنطوني أسكويذ.

وفي التسلل التصنيفي وردت جوائز ذهبية وفضية وبرونزية لأفلام كوميدية وبوليسية وتسجيلية. لكن هذا التقليد لم يستمر طويلاً بل انتهى العمل به بدءاً من العام التالي ولو أن السبب يبدو قلة الأفلام التي اشتركت في دورة برلين الثانية.

بالنسبة لهذا الناقد فإن الدورة الأولى التي حضرها كانت الدورة الأولى لمدير جديد هو وولف دونر. وكان منبهراً برؤية مدينة منتعشة في ربيع سنة 1977 حيت تعج المقاهي ويتوزع عازفو الجاز على الطرقات وتبدو المدينة الباردة شتاء وقد تدثرت بغطاء خفيف معتدل.

إنها الدورة السابعة والعشرين وخلالها توجه دونر إلى موسكو وعاد ببعض الأفلام الجيدة ومن بينها «صعود» للمخرجة التي رحلت باكراً بعد عامين من ذلك التاريخ لاريسا شبيتكو. كانت شبيتكو تعاني من تضييق الخناق عليها كونها كانت تفكر خارج الصندوق بالنسبة للسلطات الروسية والجائزة كانت مدخلاً لعرض الفيلم لاحقاً في مهرجان موسكو في صيف العام نفسه.

أسماء كبيرة

كانت تلك الدورة آخر دورة ربيعية للمهرجان الألماني. خلالها تم الإعلان عن أن الدورة المقبلة ستقام في فبراير (شباط) المقبل، على بعد أقل من عشرة أشهر من تاريخ المهرجان الحالي. وبالفعل تمّت النقلة بسهولة ويسر وبذلك تم إنجاز دورتين كبيرتين في غضون عام واحد.

لم يكن التغيير المناخي قد بدأ بعد. كانت الطرقات والميادين والحدائق تفترش سجادة بيضاء. صالات العرض كانت تقع في وسط برلين (الغربية) قرب حديقة الحيوانات والصالة الرئيسية كانت واحدة من الدور الكلاسيكية المريحة التي تجلس عليها فتشاهد الشاشة بكاملها أينما جلست (على عكس الصالة الجديدة التي تم نقل النشاطات الرسمية إليها).

خلال السبعينات والثمانينات مرّت أسماء عديدة لمخرجين ساهموا في إنجاز الحضور الكبير لسينما رائعة لم تكن عرفت بعد هذه الانعطافات الدخيلة التي تشهدها اليوم. من بين هذه الأسماء ما بدا أنه سيعيش في وهج الفن السابع للأبد لكنه لاحقاً ما توقف دوره عن النمو لأسباب مختلفة مباشرة بعد تقديم بعض أفضل إنجازاته على شاشة ذلك المهرجان.

من بين هؤلاء مرينال سن من الهند وماركوس إمهوف من سويسرا ومايكل ميلز من كندا وروبرت بنتون الأميركي وكريستوفر بيتيت من بريطانيا وكذلك الألماني غونتر شولتز والبرتغالي مانويل كارفالهيلو والسويدي هانز ألفردسون والبرازيلية رجينا جيها.

هذه الأسماء والعديد سواها اختلط حضوره بأسماء مخرجين تركوا تأثيراً أوسع مدى مثل البولندية أنييشكا هولاند والإسباني كارلوس ساورا والألمانيان ڤرنر هرتزوغ وراينر ڤرنر فاسبندر والأميركي سيدني بولاك.

في تلك السنوات التي توسطت تاريخ المهرجان قدّم المغربي سهيل بن بركة فيلمه الجيد «عرس الدم» وقدّم يوسف شاهين فيلمه الأجود «باب الحديد» واللبناني برهان علوية عرض «بيروت اللقاء»، أحد أعماله المنفردة القليلة. عن تلك الفترة صرّح يوسف شاهين لهذا الناقد بعد سنوات من تقديمه «باب الحديد» حيث لعب دور بائع صحف أعرج: «حين خرجت على المنصة بعد عرض الفيلم نظر إلى الجمهور مذهولاً وهو يتوقع رؤية شاب أعرج».

خلالها لم يتوقف المهرجان عن لعب دور الوسيط ما بين الشرق الأوروبي وغربه. كان محطة مثالية لعرض بانورامي للقضايا التي تعترض طريق السلام خلال الحرب الباردة وبعدها. المنصة التي يطلق منها السينمائيون النقد الواضح للأنظمة التي جاءوا منها، شرقية أو غربية. لكن هذا لم يكن شأن مهرجان برلين نفسه. فالستينات والسبعينات شهدت حركات سينمائية جديدة في شتى أنحاء العالم شملت السينما الأميركية كما اللاتينية القريبة وصولاً إلى مصر ولبنان وتونس ومختلف دول أوروبا.

ما سبق لم يكن سوى استشفاف ملامح محدودة. تخيل لو أن المرء فتح كل ملفات المهرجان السابقة وتوقف عند تلك الدرر البديعة التي جعلت من مهرجان برلين ما هو عليه اليوم من نجاح.
أميركا المانيا سينما مهرجان

الوسائط المتعددة