«الشيف التنفيذي»... سحرُ اللقب يناله مَن أراد

الأحد - 23 فبراير 2020 مـ - رقم العدد [ 15062]

«الشيف التنفيذي»... سحرُ اللقب يناله مَن أراد

طهاة عصاميون يصنعون المجد في أهم الفنادق العالمية
  • A
  • A
غزة: هديل عطا الله

موقعٌ إداري حساس لا يتأتى بين يومٍ وليلة ولا بضربة حظ، يتطلب جهد سنوات طويلة لأجل أن يكون المرء جديراً بمهمة تتطلب معاملة خاصة مع الطعام والفريق على حدٍّ سواء.

«الطاهي التنفيذي» لقبٌ يزول سحره من دون كاريزما القائد التي إن غابت في إدارة معزوفة متكاملة يفقد العمل نكهته، فــ«العظام الطرية» لا تملأ مكاناً تسكنه التحديات ولا تصلح لوضع الأساس المتين وإضفاء اللمسة الخلاّقة؛ وإنما ينجح في حمل المسؤولية فقط صاحب شخصية عصامية لها اختياراتها وتطلعاتها في الحياة، وخير من يخبرنا عن ذلك شباب واعد أصبح لهم شأن في هذه المهنة.

- عذاب البدايات

تسلم حمودة طرمان منصب الشيف التنفيذي قبل ستة أشهر فقط، هناك (Verve Dubai) في مطعم ‏‎تنبعث منه روائح حلوة للبهارات المشكّلة تُرغم فضولك على استراق النظر إلى مصدرها؛ حيث طبق التونة مع الأفوكادو والفلفل الأخضر الحار والزنجبيل ينادي من بعيد، في حين تخطف حلوى الفراولة والريحان العين عندما تقع عليها.

هذا الشاب الأردني يبدو أنه قَدّر الفرصة التي سنحت له كما يجب؛ فتجده ما بين وقتٍ وآخر يُعطي دليلاً جديداً على أنه «الرجل المناسب في المكان المناسب».

أحب حمودة الطبخ منذ عمر السادسة، وعاش أياماً رائعة مع والده الراحل الذي كان موهوباً في الطهي؛ ذلك الطفل غنّى كثيراً لصباحات اصطحبه أبوه فيها إلى السوق لشراء اللحم ومن ثم تقطيعه وطهيه معاً، وتلك القريحة كانت محظوظة أيضاً بأمه السورية.

التحق الطاهي العصامي بالقسم الفندقي بعد الصف العاشر، لم يقاوم إصراره على تعلم الطبخ إلى درجة أنه في ذلك العمر الغض بعد انتهائه من المدرسة كان يسابق الريح للحاق بموعد العمل ويمكث فيه حتى ساعة متأخرة من الليل، مستمراً على حاله عاماً كاملاً لم يتقاضَ فيه قرشاً واحداً، وفي مرحلة الثانوية العامة ترك المدرسة بلا رجعة وقرر أن يصنع من نفسه الشخص الذي وصل إليه الآن، في حين تلقى تشجيعاً من عائلته التي وقفت إلى جانبه دائماً.

رحلة حمودة بدأت قبل 13 سنة؛ نعَم؛ سخت عليه الحياة بامتحاناتها، إلا أنها لم تسلبه قوته الواضحة في صوته؛ يستهلّ حديثه بالقول: «أول وظيفة حصل عليها كانت في أحد فنادق عمان، تذّوقت العذاب، كنت أجتهد في مساعدة كل الأقسام طيلة اليوم ولا أجد تقديراً من أرباب العمل، ثم أعود إلى بيتي يكاد يُغشى عليّ من التعب».

ويراعي وداد أصدقاء قدموا له معروفاً ذات يوم؛ إذ ما زال ممتناً لزميله محمد أبو خضرة الذي ساعده في الانتقال إلى فندق «حمّامات مَعين»، ويتحدث عن تلك المرحلة بوفاء: «كنت قلقاً بعض الشيء لانتقالي من فندق أربعة نجوم لآخر خمسة نجوم، إلى أن مر الشيف محمد فاروق في حياتي؛ تأثرتُ به رغم قصر المدة التي عايشته فيها، كان سبباً في أن أثق بنفسي كما يجب، وتعلمت منه أن الإرادة تكفي لتحقيق ما نطمح إليه، ثم مضى وقت لا بأس به قبل أن أكتب أول سطر في قصتي».

حزمَ الشاب المكافح أمتعته متجهاً نحو سلطنة عُمان ليبدأ عهداً مختلفا تماماً عن كل ما اختبره في السابق؛ يقول: «عملت في مطعم رفيع المستوى، شعرت حقاً أنها مرحلة جديدة على صعيد المكونات وطبيعة العمل وتحدياته، كان فريقاً يتكون من جنسيات عدة ولم يكن أي منهم يتحدث العربية ويا للأسف أني وقتها لم أكن مجيداً للغة الإنجليزية لولا أن زميلاً مغربياً كان يسعفني عبر ترجمة ما يُقال، في غربة كهذه أعترف بأني بقيتُ متوتراً حد البكاء أحياناً».

«لا بد أن بصيص النور سيظهر»، هكذا كان يواسي نفسه، وصدقَ تفاؤله حين التقى طاهياً بريطانياً اسمه جيمس؛ والذي دعم الشغف الذي بداخله وآزره في التغلب على مخاوفه باكتساب المهارات اللازمة والثقة بالنفس، مضيفاً: «تحسن أدائي أكثر عندما تعرفّت إلى شيف تنفيذي (كندي) اسمه رون. أدهشني احترافه ومتابعته للتعلم بالاطلاع على كل ما يستجد في عالم الطهي، هذا الرجل اكتشف الطاهي المميز في أعماقي وساعدني على وضع بصمتي في كل طبقٍ أحضره، عملنا معاً لعامين واكتسبت بفضله خبرة اتكأت عليها في شق طريقي لاحقاً».

- العقل صاحب الكلمة

«Folly by Nick and Scott»، وأخيراً حدث ما أراده حمودة طرمان؛ بتلقيه عرضاً مغرياً في مطعم أوروبي في مدينة دبي؛ عمل فيه لثلاث سنوات كانت من أحلى سنوات العمر وأصعبها، حسب وصفه، وصل الليل بالنهار مع مؤسسي المطعم وكانت الثمرة أن نال المطعم شرف تصنيف «الأفضل» في الشرق الأوسط على مستوى الأطباق الأوروبية لعام 2017 وحاز «ثاني أفضل مطعم» لعام 2018.

ذلك النجاح فتح ذراعيه فجلبَ آخر لحمودة بتوليه منصب كبير الطهاة في فندق «غراند بلازا موفنبيك» الذي اُفتتح العام الماضي في دبي، مبدياً فخره بصنع شخصية للمطعم التابع للفندق وتقديم الطعام الأوروبي الكلاسيكي؛ وهذا لا يمنع أنه مولعٌ بطهي الأطباق العربية والعزف عليها بتكنيك عصري غربي لا يخلو من لمسة خاصة ليجذب بتوليفته الزبون الأوروبي على وجه الخصوص.

«لن أتوانى عن الحفر في الصخر حتى أصقل خبرتي أكثر؛ هذه المهنة أذاقتني المر والحلو والحامض والمالح، وفي مقابل ذلك العرَق أكرمني ربي بتوفيقه؛ فالحمد لله رب العالمين» يقول حمودة لـ«الشرق الأوسط».

وتتراءى صراحته عندما يفضي بالقول: «لا أنكر أن الخوف تسلل إلى قلبي عند إبلاغي بخبر الترقية، ما كان يطمئنني قليلاً أني خضت تجربة ليست بسيطة بالعمل تحت إشراف طهاة أجانب، وبالتالي ارتقت حياتي المهنية بمعدل 180 درجة».

يتجاوز «الشيف التنفيذي» حديث العهد رهبة المرحلة بانفتاح أكبر على التعلم، فقد بات جريئاً في إضفاء أسلوبه على الأطباق بعد أن كان يقدم ساقاً ويؤخر الأخرى، تبعاً لكلامه؛ مشيراً إلى أن موقعه يفرض عليه العمل بعقله أكثر من يده، ناهيك بالإمساك بزمام شؤون الإدارة التي لم يكن مُلمّاً بها من قبل.

«عمل الشيف التنفيذي، ما أهم متطلباته؟»... يجيب حمودة عن سؤالي: «المكلف بهذا الموقع الحساس لن ينجح من دون ضبط الأعصاب والتفهم والتعاون مع فريقه؛ ولا بد من حدس متيقظ لالتقاط الطهاة الجدد الذين ينتظرون اكتشاف مَلكتهم، أحاول أن أتذكر في كل لحظة قصص الطهاة المزدهرين ذات النهاية الواحدة ومفادها أن الشخصية القوية والمرنة لطاهٍ محترف ومبتكر ويقود بذكاء ويطمح للأفضل ستهيأ له فرصاً ربما لم يحلم بها».

«على ذِكر الفريق، كيف تتعامل مع (جيشك)؟»... ضحكته تسبق كلامه هنا: «روح الفريق تعني أننا يد واحدة، أنا وفريقي يكمل بعضنا بعضاً، وهذا الميزان لا يمكن أن ترجح فيه كفة على أختها؛ اتفقت معهم منذ البداية على أننا علينا السير وفق معزوفة متناغمة تضمن أعلى جودة لإرضاء الزبون، أثق بقدراتهم وأبث فيهم التشجيع بحكم ما عانيته سابقاً، وأقول لهم دائماً: «لا تستسلموا... انهضوا بعد كل وقوع ولن يُضيع الله تعبكم»؛ أحب أن نتشارك الأفكار حتى لا يشعروا بأنهم مجرد موظفين يؤدون واجبهم وحسب؛ وأعطي بصحبتهم لكل وقت حقه ما بين مرح وجد».

ومن المسؤوليات الملقاة على عاتقه ويفعلها من قلبه؛ تجوله بين الضيوف ليستشفّ انطباعاتهم عن قرب ويتأكد من مستوى الخدمة، مما يخلق أجواء من الود والمرح والثقة؛ حسب قوله.


فلسطين الأطباق

الوسائط المتعددة