مصطفى رزق.. {بلوز} مصري بالعود والربابة

من موسيقى الكف الصعيدي إلى موسيقى الجنوب الأميركي
الثلاثاء - 15 شعبان 1436 هـ - 02 يونيو 2015 مـ
القاهرة: داليا عاصم

رحيل أسطورة البلوز الأميركي بي بي كينغ مؤخرا، تزامن معه بزوغ نجم البلوز المصري مصطفى رزق، الذي صدر له في الآونة الأخيرة ألبوم غنائي يحمل اسم «باب اللوق» يضم 9 أغنيات أطلق منهم 5 أغان على قناته بموقع «يوتيوب» على رأسها الأغنية الرئيسية «باب اللوق» التي حققت نجاحا كبيرا بعد أن قام بتصويرها بطريقة الفيديو كليب في حي باب اللوق الشعبي وسط القاهرة في أجواء تعيدنا إلى عصر الستينات والسبعينات. وحققت الأغنية على «يوتيوب» نحو 30 ألف مشاهدة، وأكثر من 68 ألف مرة استماع على تطبيق «ساوند كلاود».
يضم الألبوم إلى جانب أغنية «باب اللوق»، مجموعة من الأغنيات: «شفطة بن»، و«صباح الخير»، و«ياللي ماشية ع الطريق» و«مجنون بجد» و«الشوارع»، و«البنت السمرا»، و«العاشق»، و«مبسوط كتير» التي حققت 56 ألف مشاهدة على يوتيوب.
صوت مصطفى رزق الأجش يحمل رومانسية وطيبة مصرية وسلطنة طربية، يشعرك صوته بعذوبة خاصة تشعر معها بذوبان مياه النيل مع مياه المسيسيبي، فقد حباه الله بخامة صوتية يستطيع معها التنقل ما بين المقامات العربية والغربية بنعومة، تحمل معها جمال الوجوه السمراء المصرية وأشجار النخيل في جنوبها، وروح الجنوب الأميركي.
ويقدم من خلال أغانيه نبض الشارع المصري. وتجمع ألحانه ما بين الناي الشرقي والساكسفون، وما بين الربابة والترومبيت، وأوتار العود وأصابع البيانو في مزيج رائع تفتقده الألحان الموسيقية في الآونة الأخيرة. وعند الاستماع لأغانيه ستطرب لـ«البلوز» كما لم تسمعها من قبل، فهو يعتمد على أنغام العود الشرقي كما هو في أغنية «شفطة بن»، وعلى الربابة والترومبيت في أغنية «مبسوط كتير». موسيقى «البلوز المصري» التي يقدمها رزق، مغايرة لموسيقى البلوز الخلابة لروبرت جونسون وإيقاعات الجاز الرائعة لشارلي باركر، ورغم أنها تحمل مفهوم أغاني البلوز التي تحمل الشجن والحنين لكنها كلمات مختلفة وألحان مغايرة لما اعتادته الأذن العربية من البلوز الغربي.
يقول الفنان مصطفى رزق لـ«الشرق الأوسط» «ألبوم (باب اللوق) أعتبره وجبة موسيقية دسمة تشبع الوجدان والروح بمزيج موسيقي مختلف، وهذا الألبوم أعتبره بداية مرحلة جديدة في مشروعي الموسيقي الذي بدأته فعليا في نهاية التسعينات، لكن عشقي للغناء بدأ في فترة مبكرة من العمر حيث نشأتي في مدينة إدفو بأسوان، التي تتمتع بتراث موسيقي متميز بحكم موقعها بين قنا والنوبة، فكنت أستمع للأغاني التي تمزج بين الفلكور المصري الصعيدي والتراث النوبي ذي الأصول الأفريقية، والتي أعتقد أن لها الفضل في تكويني الوجداني».
ويروي رزق كيفية انتقاله من مجال الهندسة المعمارية إلى الغناء والتلحين، قائلا: «جئت للقاهرة في التسعينات للدراسة في كلية الفنون الجميلة بالزمالك وهناك بدأت بالغناء وسط الأصدقاء، إلى أن أنهيت دراستي وبعدها أسست فرقة (الونسة) وكان هدفي الأساسي هو تقديم موسيقى تستعيد تراثنا الموسيقي في جنوب مصر الصعيدي، وبالفعل شاركت في الكثير من حفلات دار الأوبرا، وساقية الصاوي، ومهرجان القلعة، وكانت تلك المواجهات الأولى مع الجمهور، لكن للأسف لم تنجح الفرقة واضطررت تحت ضغوط الحياة أن أعود لعملي كمهندس معماري خاصة وأن ذلك النوع من الموسيقى لم يلق قبولا لدى الجمهور في تلك الفترة التي نجحت فيها فرق أخرى أطلق عليها اسم فرق ( الأندرغراوند)».
عاد رزق لعمله لكنه لم يحنق على موهبته أو يتخلى عنها واكتفى بالغناء في منزله ولأفراد أسرته. ويستطرد: «بدأت في العودة بالأغاني التراثية وأغاني الموشحات الأندلسية قبيل الثورة إلى جانب أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ووجدت قبولا جيدا من المستمعين والأصدقاء وكانت حفلاتي ما بين القاهر وأسوان».
ولكن كان العائق الذي يواجه مصطفى رزق هو الصورة النمطية لدى الجمهور الذي كان يطالبه بأغاني محمد منير وأحمد منيب والأغاني النوبية، رغم محاولاته الكثيرة لتوضيح الفارق بين أغاني النوبة وبين الأغاني الصعيدية، لكن كان يحاول رزق إرضاء جمهوره وأيضا تعريفهم بأغاني الصعيد. كما أن البعض يضعه في قالب الفنان الراحل طلعت زين الذي اشتهر بأغنية «تعالى» وقدمه عمرو دياب في أغنيته «راجعين».
عرف مصطفى رزق بشكل أكبر خلال فترة الثورة وأغاني ميدان التحرير، لكن شغفه وبحثه عن التميز جعله يحاول كتابه وتلحين أغان خاصة به لها مذاق جديد في الكلمات وألحانها بها الطعم الشرقي والتراثي لكن بمقامات غربية تستخدم في موسيقى الجاز والبلوز، محاولا في الآن نفسه الحفاظ على التراث الموسيقي لجنوب مصر لكنه لم يتوقف عند ذلك بل أراد أن يطوره ويمزجه مع مقامات موسيقية تخلق حالة موسيقية ثرية تشبع إحساس وروح متلقيها.
بصوت مليء بالأمل يضحك قائلا «يبدو أن ذائقة الجمهور تغيرت بعد الثورة، حتى أنني شخصيا وجدت شغفا كبيرا بموسيقى البلوز وبدأت في الاستماع لها بشكل مكثف ودراسة الألحان، وبدأت في غناء بعض ألحاني الشرقية بطريقة البلوز ووجدت أن ذائقة الجمهور تغيرت وتقبلوا ذلك اللون، واقترح الأصدقاء تغيير مظهري (اللوك) كانت نتاج تلك الفترة أغنية (باب اللوق) وأطلقتها في أبريل (نيسان) العام الماضي لاستشعار رد فعل الجمهور، والحمد لله وفقت ولقيت إعجابا».
ويشير «أعتقد أن نجاحي نتيجة لقائي بفريق عمل ممتاز وله الشغف نفسه بتقديم ألوان موسيقية وأغان جديدة وهم الشاعر مصطفى الجارحي، والموزع أحمد الصاوي، وعملنا معا لإنتاج ألبوم (باب اللوق). والسر في تأخرنا هو أننا نعيد الألحان والتوزيع أكثر من مرة لذلك استغرقنا 3 أعوام ونصف في الانتهاء من 9 أغنيات».
«قلبي واسع حبتين.. يعني تانية وغرزتين يدوب يصبح مقاسي» هي بداية أحد أغاني ألبوم «باب اللوق» والممتع فيها أنها تحمل صوت الروائي الذي يقص سيرته الذاتية، بكلمات بسيطة ذات مغزى ودلالات فلسفية عميقة تستوقف المستمع وتدهشه وتجعله يتأمل في المعاني على أنغام شجية.. حالات فنية تعكس الشجن والحنين للأصالة والتراث لكنها ممزوجة في الآن نفسه بخفة الدم المصرية.
يقول مطرب البلوز المصري «كنت أعيش كل تلك الفترة ما يشبه حالة بحث عن الجديد حتى توصلت إلى تقديم هذا اللون الموسيقي الذي أحببته، وكان التحدي الكبير أمامي هو تقديم موسيقى البلوز والجاز لكن بروح مصرية. مشيرا «أحاول مع أصدقائي تقييم التجربة الحالية بعد أن تكتمل، حيث يتوقف عليها اختيار مذاق الألبوم القادم، وما يعطيني الأمل التفاف عدد من المبدعين المصريين المخضرمين في عالم الموسيقى وتشجيعهم لي، ومؤخرا سعدت بانضمام الشاعرة والكاتبة الرائعة كوثر مصطفى التي كتبت كلمات أنجح أغاني الفنان الكبير محمد منير».
يحمل مصطفى رزق مشروعا غنائيا وفنيا آخذا في النمو، محاولا تلافي الوقوع في فخ تقليد «البلوز الغربي» ويحاول جاهدا إضفاء مذاق مصري مختلف لذلك النوع، على أمل الوقوف في موجة الأغاني الهدامة والتي لا تقدم طربا أو فنا.

إقرأ أيضاً ...