من التاريخ: سليمان «القانوني».. والنهضة العثمانية

السبت - 29 أكتوبر 2016 مـ -

من التاريخ: سليمان «القانوني».. والنهضة العثمانية

  • A
  • A
السلطان سليمان «القانوني»
د. محمد عبد الستار البدري
قاد السلطان سليم الأول عملية توسيع رقعة الدولة العثمانية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي بالتركيز على ضم المشرق العربي ومصر وأجزاء من الساحل الليبي إلى دولته، وقزّم دور الدولة الصفوية الفارسية، كما تابعنا في الأسبوع الماضي. أضف إلى ذلك إلى أنه منح الدولة العثمانية الشرعية المطلوبة، بجعلها مركزًا للخلافة الإسلامية بعدما قضى على دولة المماليك في مصر والشام، عقب ادعائه أن آخر الخلفاء العباسيين تنازل له عن الخلافة، وهو ما منح الدولة العثمانية منذ ذلك التاريخ شكلاً مختلفًا، خصوصًا مع حكم الإمارات والدويلات الإسلامية التي تساقطت الواحدة تلو الأخرى. كذلك منحت «الخلافة» الدولة الجديدة صبغة الشرعية المرتبطة بكون السلطان - حسب الادعاء المشار إليه - خليفة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولكن على الرغم من كل التوسع والثراء الناتج عن فتوح سليم الأول، فإن البلاط العثماني كان يعاني بشدة من أسلوب حكمه القاسي العنيف. ومن ثم، كان تاريخ وفاته في عام 1520 لحظة تطلع لبدء عهد جديد على أيدي ابنه سليمان الذي لُقب في كتب التاريخ بسليمان «القانوني» و«العظيم»، وغيرهما من الألقاب. وحقًا يعد سليمان باعث النهضة العثمانية، والسلطان الذي أعطى الدولة رونقها وإرثها الثقافي والسياسي والقانوني على حد سواء.
لقد لعب سليمان دورًا محوريًا في مساندة والده سليم للانقلاب على السلطان بايزيد الثاني، عندما كان حاكمًا لإحدى الولايات الشرقية، الأمر الذي جعله مقربًا لوالده بشكل كبير، ومن ثم لم تمثل عملية انتقال السلطة بعد ممات الأخير مشكلة كما كانت مع السلاطين العثمانيين من قبله، كذلك استبشرت الدولة العثمانية خيرًا على يديه وخلال حكمه الذي طال 46 سنة.
كان سليمان، عندما خلف أباه، شابًا دون الخامسة والعشرين، كما كان ورعًا حافظًا للقرآن، شاعرًا بالفطرة، شديد الولع بالعلوم والفلسفة والتاريخ والدين، يتكلّم خمس لغات بطلاقة، مما أسهم في تعزيز رؤيته، بخلاف السلاطين السابقين، من خلال خلق التوازن بين الفتوحات والإصلاحات. كذلك كان مما ساعده أن الدولة التي ورثها عن أبيه كانت مستقرة سياسيًا، لا تعاني من المشكلات التقليدية للعثمانيين، إضافة إلى أنها كانت ثريّة بفضل الفتوحات الممتدة على مدار القرنين الماضيين. وبناءً عليه، فإن الظروف كانت بالفعل مهيأة لبداية النهضة التي لاقت هوى داخليًا عند السلطان الطموح.
بدأ سليمان حكمه الممتد بعفو عام، فأخرج المظلومين من السجون، ورسخ سياسة التسامح السياسي في الدولة الجديدة. ولكن عندما انتشرت الدسائس والثورات والاضطرابات، كان حازمًا حاسمًا في القضاء عليها حفاظًا على ملكه، ولم تأخذه شفقة بهؤلاء، خصوصًا مع فيالق «الإنكشارية» التي كثيرًا ما كانت تثور في وجه السلطان بما لديها من قوة. مع هذا، لم يؤثر هذا الحزم على توجهه العام، بوصفه مصلحًا سياسيًا واجتماعيًا، خصوصا أنه أمّن مستشاريه وحاشيته على غير طابع والده، مما أتاح له الفرصة كاملة للاستفادة منهم كثيرًا في تحقيق أهدافه. وهنا، كان داعمه الأساسي في هذا الإطار هو صديق عمره إبراهيم باشا الذي كان عبدًا مسيحيًا صادقه سليمان منذ الصبا، وجعله كبير مستشاريه، ثم رئيس وزرائه. وكان دور إبراهيم باشا بارزًا في المساعدة على بداية تنظيم أحوال الدولة العثمانية لقرون تالية، ولا سيما أن سليمان اهتم بترسيخ مبدأ التسامح مع الرعايا غير المسلمين الذي وضعه السلاطين من قبله.
وقد حاول سليمان زرع الولاء للدولة لدى هؤلاء الرعايا، بدلاً من إرهابهم، خصوصا في ظل توسعها الجغرافي العظيم حتى باتت تضم قرابة عشرين عرقية مختلفة، وما يقرب من 15 مليون نسمة (وهو رقم كبير للغاية في هذا الزمن). وهنا، حرص السلطان على منح الرعايا غير المسلمين حقوقًا إضافية واسعة، شملت ضمن أمور أخرى التصعيد السياسي والاجتماعي، وتخفيف الجزية ووضع سقف لها، ووضع القوانين لضمان نوع من الحقوق والواجبات للأقنان في الإقطاعيات، مما فتح المجال أمام هجرة واسعة لهم إلى الأراضي العثمانية، ليتمتعوا بهذه الحقوق التي ما كانوا يجدونها في النظام الإقطاعي الأوروبي المتصلب.
ضمان الحريات الدينية - ولكن ليس من خلال قوة القانون - كان في حقيقة الأمر سمة تميزت بها دولة العثمانيين منذ البداية، عندما كان هذا وسيلة لجذب الولاء، وأضحت سياسة شبه ثابتة حتى مقدم سليمان الذي وضعها رسميًا في مدونته القانونية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن أوروبا كانت تمر في ذلك الوقت بثورة للإصلاح الديني، وصراعات حادة بين الكاثوليك والبروتستانت، حتى أن التسامح فيها كان منعدمًا إلى منتصف القرن السابع عشر. وبالتالي، وفرت الدولة العثمانية في ذلك الوقت مثالاً جذابًا ليس فقط للأوروبيين، ولكن للإنسانية ككل، خصوصا في عهد سليمان «القانوني» الذي استفاد كثيرًا من قوننة التسامح الديني، فكفل له هذا التسامح مركز جذب لكثيرين من القيادات الفكرية والدينية التي عانت من الاضطهاد في زمن صعب للغاية، خصوصا اليهود بعد طردهم من إسبانيا في 1492 مع المسلمين.
عطفًا على ما سبق، اهتم سليمان بوضع «مدوّنة القانون الجديد» للدولة، التي تضمنت توحيد القوانين العثمانية التي أصدرها السلاطين التسعة السابقون له. إذ وضع قانونًا موحدًا متسامحًا متوازنًا إلى حد كبير لكل الرعايا، بما ضمن استقرارًا اجتماعيًا واسع النطاق في البلاد دون المساس بتطبيق ملحوظ للشريعة، إضافة إلى قانون عقوبات متوازن، مع الإبقاء على تطبيق الحدود في مجالات محددة. كذلك اعتمد السلطان اللوائح الخاصة بالتنظيم الإداري للدولة، وطبّق نوعًا من اللامركزية في إدارة الحكم في البلاد، مما ساعد على مزيد من التوسع والحقوق للأقاليم المختلفة. وأخيرًا لا آخرًا، كان من أهم إنجازاته «قانون الضرائب العثماني» الذي خلق وحدة ضريبية في شتى أنحاء الدولة، وساعد على توسع رقعة التجارة والصناعة والزراعة.
وعلى الصعيد العلمي، أولى سليمان «القانوني» اهتمامًا خاصًا لإصلاح التعليم في الدولة العثمانية، كونه كان يدرك تمامًا قيمة العلم والعلماء في تطوير الدولة، ووضعها في مصاف الدول الكبرى. ولعل تربيته العلمية والأدبية كان لها دورها الكبير في هذا التوجه، وبالفعل اهتم بشكل خاص بمدارس العلماء التي كانت تحت إشراف الأوقاف، حيث اهتم بالمناهج والأفكار الجديدة، خصوصًا التسامح، كما أنشأ المدارس المجانية لتعليم الرعية، إضافة إلى تطوير مراكز التعليم ورفعها لمصاف الجامعات.
وفي مجال العمران والعمارة، كان سليمان مولعًا بالمعمار الذي أخذ من وقته الكثير، فلقد اهتم ببعث نهضة معمارية في البلاد لم تشهدها من قبل، ولم تقتصر فقط على مدينة إسطنبول، بل امتدت لبعض مدن الشام والقدس والعراق. واهتم أيضًا بتعليم المعمار والهندسة بصفة خاصة، وساعده على ذلك أشهر المعماريين المعروفين في ذلك العصر المعماري الشهير سنان (معمار سنان) الذي صمم وشيد أحد أكبر الجوامع والمباني في مدينة إسطنبول الأثرية.
لقد طال حكم سليمان «القانوني» حتى عام 1566، ومات في أثناء إحدى معاركه. ويذكر التاريخ أنه في سنواته الأخيرة لم يكن بالحماس والإقبال نفسه على الحياة، كما كان في بداية عهده. وأغلب الظن أنه مات وهو يعاني اكتئابًا حادًا للغاية في آخر عمره، بعد موت زوجته وحبيبته روكسلان، المرأة التي حررها من العبودية، وأحبها فتزوجها، فملكت حياته إلى حين وفاتها عام 1558 بعدما أنجبت له أربعة أمراء. غير أنها، في المقابل، كانت أيضًا سببًا مباشرًا في الدسائس السياسية المحيطة به بعدما حاولت توريث الحكم لأحد أبنائها، وهو ما خلق فتنة داخل عائلته. وبالتالي، فإن مصدر سعادته في بداية عهده صارت مصدر تعاسته واكتئابه. وبعد وفاة روكسلان، انزوى سليمان، وفضل الوحدة والانعزال والتعبّد، تاركًا جزءًا من شؤون الحكم في أيدي البلاط ورجالاته.
واليوم، لمن يزور إسطنبول لا بد أن يقف معجبًا بمعالمها المعمارية، ومن أبرزها جامع السليمانية الذي يعد الأيقونة الأثرية الكبرى لهذا الرجل العظيم الذي كان يمثل بحق الوجه الثقافي والإصلاحي والفكري للدولة العثمانية، بعدما كانت معظم إنجازات السلاطين العثمانيين من قبله مرتكزة على الفتوحات والتوسع السياسي.

الوسائط المتعددة