مانشستر ومركز الرياض

الأربعاء - 24 مايو 2017 مـ

مانشستر ومركز الرياض

  • A
  • A
84    54
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة العربيّة
الفارق بين «القاعدة» و«داعش» في استخدام التقنية. الأولى شِبه اندثرت، لأنها قررت وقف استخدام الإنترنت ومنتجاته الحديثة، بعد أن أدركت أنه يمكن أن يكشِفَها، أما «داعش»، كجماعة سرية، فقد برزت على حساب التقنية، ووضعت معظم نشاطاتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
نظرياً، يُفترض أن التقنية تدُلّ عليها وتفضحها، لكن اتضح أنها غالباً تسبق أجهزة الأمن العالمية بخطوة منذ أن استعانت بوسائل التواصل فردياً عن بُعد مع المتحمسين لرسالتها. وهذا ما حدث في جريمة مانشستر، كما يبدو من التفاصيل الأولية. «داعش» جند شاباً صغيراً وهو في بيته في مانشستر دون الحاجة إلى أن يسافر إلى الرقة في سوريا. يسعى الأمن لكشف الإرهابيين، واستباق عملياتهم لإجهاضها، من خلال اختراق التنظيمات بدسِّ عملاء داخلها، أو رصد الاتصالات والرسائل الإلكترونية، لكن يبدو أنها لم تعد تنفع بدليل تكرر العمليات الإرهابية في أوروبا.
هناك حدث نوعي مهم له علاقة، فقد دشن قبل أيام في السعودية مركز متخصص في مكافحة الفكر المتطرف. ومع أن هناك نحو ألف مركز منتشر في العالم يحمل العنوان نفسه، أو متخصص في شؤون الإرهاب، فإن «اعتدال»، وهذا اسمه المختَصر، مختلِف عنها. فهو عبارة عن رادار ضخم، يقوم إلكترونياً برصد النشاطات التفاعلية، وتحديداً على وسائل التواصل الاجتماعي. يقرأ مليارات الرسائل المتداولة، ويفرزها، ويصنفها، ثم تتم مراجعتها وتحليلها بشرياً بناءً على ذلك. المركز يتولى مهمة التعرف على المفاهيم والدروس والفتاوى، ويتميّز بأنه يستطيع تمييزها بلهجاتها المحلية، حيث إن معظم ما يُتَدَاول كتابةً أو نطقاً بعشرات اللهجات المختلفة. التدخل برصد الخطير منها وملاحقته أو توجيهه أو مناقشته. يُفتَرَض أن يسد المركز الفراغ الكبير في الفضاء الإلكتروني الذي يتسيده المتطرفون.
ذئب مانشستر واحد من مئات، ربما آلاف مثله في العالم الافتراضي. ومع مثله تواجه أجهزة الأمن تحديات صعبة مع تقدم الإرهابيين في الوسائل والتكتيك. الأمنيون يصيخون السمع للاتصالات، ويقرأون الرسائل، ويراقبون عمليات بيع الأسلحة، وكذلك المواد المكوِّنة لها، ويجمعون المعلومات من مخبريهم على الأرض الذين يخاطرون بحياتهم. في المقابل، تطور تنظيم داعش وعرف وسائل المصم وصار ينتشر إلكترونياً، يفتش عن فرائسه وفق مواصفات تناسب أهدافه. يتواصل معهم فردياً، وهذه أساليب تقلل احتمالات كشفها أو اختراقها. وكل ما عليه، بعد التواصل مع العشرات من الأولاد المغرَّر بهم مسبقاً، يتم توجهيهم، وغالباً سيجد واحداً منهم مستعداً للقيام بالجريمة، بحزام ناسف، أو سلاح ناري، أو يُكلَّف باستخدام سيارة سلاحاً لدهس المارة، أو حتى سكين مطبخ.
الإخفاق الحقيقي ليس في العجز عن اكتشاف المجرم قبل ارتكاب جريمته أو إجهاض العملية الإرهابية، بل قبل ذلك في بناء سد كبير لوقف هذا السيل الهادر من إشاعة التحريض والكراهية. وليست حالة عامة في مجتمعات المسلمين كما يُقال، وليس صحيحاً أن انتشار الكراهية والجريمة نتيجة لمعاناة المسلمين القابعين في «الغيتو» الأوروبية، أو خاصة بالغاضبين من ممارسات أنظمتهم في بلدانهم الإسلامية. هذه كلها أعذار لتبرير الإرهاب. هناك حالات مماثلة تماماً لها تعيشها جاليات من أتباع ديانات أخرى مثل السيخ والهندوس والبوذيين، لماذا لا نراهم يلبسون الأحزمة الناسفة احتجاجاً أو تطهُّراً؟ حتى شباب المسلمين من الأجيال السابقة لم يكونوا يرتكبونها، فلماذا المسلمون ولماذا أجيال اليوم؟ ببساطة فتشوا في الثقافة السائدة. وانتشار التطرف في برمنغهام ومانشستر البريطانيتين أسهل من انتشاره في السعودية ومصر، لأن القوانين صارمة في الثانية ومتساهلة في بريطانيا. كلمة أخيرة: إن محاربة التطرف أهم من محاربة الإرهاب.
[email protected]

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
24/05/2017 - 23:41

بالفعل قالعلة هي في أنظمة الدول الأوروبية التي وجدت فيها التنظيمات المتطرفة من الثغرات "الواسعة" ما لم تحصل عليه في الدول التي تمكنت تقريباً من السيطرة بشكل كامل على تلك التنظيمات التي ذهبت محاولاتها سدى عبر وسائل التواصل الإجتماعي والتي تمت مراقبة الأنشطة المشبوهة عليها بفعالية أعطت نتائج مبهرة في تتبعها والقضاء عليها، ليس الأمر منحصراً في مصر والسعودية فقط ولكن ختى الولايات المتحدة قطعت شوطاً كبيراص في هذا المجال وتمكنت من حماية المجتمع الأميركي من شرور الإرهاب بدرجة كبيرة رغم كل ما واجهته الحكومة المركزية وأجهزتها من إنتقادات وحملات إعلامية وقانونية، ولا أدل على ذلك من تصريحات المسئولين الأمنيين الآوروبيين والتي تأتي مباشرة بعد وقوع الحوادث الإرهابية بأنهم على معرفة وعلم تامين بمن إرتكب الحادث، ولكن مشكلتهم هي في أنظمتهم المليئة بالثقوب.

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
25/05/2017 - 01:24

ظاهرياً هناك سخظ وغضب واستنكار عالمي عارم . ولكن بعضهم مستفيد من عملية مانشستر البشعة واللاانسانية واللااخلاقية . وكل العمليات التى حصلت وستحصل . واكثر العمليات الارهابية التى تم الكشف عنها وفضحها واكثر العمليات التى لم يفصح عنها تستعمل للمقايضة بين ارباب الاجرام بالعالم وهم دول وليسوا افراداً ولا جماعات بل دول عددها محصور وربما اقل من اصابع الكف . لأنهم هم من يمسك بزمام امن العالم براً وجواً وبحراً وكل احزاب وتيارات وجماعات ومجموعات وحتى اكثر من مكون ديني مقسمة بين هذه الدول وهم من صنعها ومولها ودربها . لأن المجموعات التى تضرب وتفجر ومهما كانت تملك وتمتلك من خبرات عالية التقنية والبرمجة الالكترونية والادمغة الذكية تبقى اداة مسيرة بايدي صانعيها لا قرار ولا اقرار ولا هدف لها سوى التنفيذ . فعلاً اصبح العالم يعيش رعب حقيقي . لم يعد يعرف من مع

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
25/05/2017 - 01:46

من ومن ضد من . اصبح الاحتلال لدول فيه محاصصة واحياناً مشاركة بالقتل والتدمير والتهجير والسطو واحياناً صراع على المغانم كما الذي يجري بالعراق وسوريا وشبه جزيرة سيناء وارض فلسطين ومنطقة البحر الاحمر واليمن والبحرين وافغانستان وبعض مناطق البلقان واسيا وافريقيا . الارهاب الذي ضرب مانشستر البريطانية ليس هدف يستفيد منه لا الاسلام ولا المسلمين لأنهم بالاساس ليس لهم هدف ولا اهداف . انه هدف يستفيد الدول التي هي اقل من اصابع الكف والتى باتت معروفة ومعلومة العنوان والزمان والمكان .

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة