نسخة جديدة من حكاية «طائر اللقلاق»

الثلاثاء - 13 يونيو 2017 مـ

نسخة جديدة من حكاية «طائر اللقلاق»

  • A
  • A
84    54
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
هذه ليست حكاية في كتب الأطفال. وفي أي حال، لم تعد للأطفال كتب في بلادنا. شاخ الأطفال باكرًا ولم يعودوا يصدقون شيئًا. حتى الزهور وألوانها، وانتشار النجوم على هذا النحو المنتظم في السماء بعد كل غروب، لم تعد تدهشهم أو تفرحهم. لقد حذفت مرحلة الطفولة في هذه المنطقة. فإن نصف الذين ولدوا هم مشردون بين الأرض والمياه المالحة. والذين سيولدون ليسوا موعودين بأكثر من ذلك. لذلك، صار المولودون يفضلون، بحكم التجربة أو النصيحة، أن يحذفوا فقرة الطفولة من قصة الحياة. وتلقائيًا، توقف مؤلفو كتب الأطفال عن التأليف، وانصرف الناشرون إلى كتب الكبار وحدها.
سوف تعتقد أنني أبالغ، توسلاً لإطراء أو تربيت على الكتف دلالة الرضا. إن ذلك ممكن في حالات كثيرة، لكن في هذه الحالة، رجاء أن تصدقني: وقفت أمس أمام جناح الكتب الجديدة. العربية طبعًا. معظمها تضم عناوينها كلمة الموت. بعضها يحمل كلمة الحرب. بعضها الانهيار. بعضها الشؤم والبلى والنوازل.
تكاد تخرج هاربًا من المكتبات التي كانت مأواك. فأي جليس هو هذا الجليس؟ وأي أنام هي هذه الأنام؟ وأين، للمناسبة، اختفى جناح كتب الأطفال؟ لكن أي أطفال؟ إنهم في الشوارع بلا سقف، أو يلهون بين أكياس القمامة، أو في الخيام، ينتظرون زوال الشتاء لكي يبدأوا في انتظار زوال الحر. اللعنة على الفصول، لماذا لا تستقر على الربيع وتدير ظهرها للشمس وللغيوم!
وفي أي حال، هذه ليست حكاية من كتب الأطفال. إنها من صحف بيروت. كل عام في مثل هذا الوقت، تمر في سماء لبنان أسراب من طيور اللقلاق. ويخرج إليها اللبنانيون بالرشاشات. طيور لا تؤكل ولا تُشوى ولا تُحشى. فقط تهاجر. ولكن اللبنانيين يخرجون إليها بالرشاشات.
أحد هذه الطيور سقط جريحًا فوق سهل عكّار. فوقع قرب راعي غنم شاب معه قطيعه. لم يقتله، ولم يجهز عليه. حمله إلى حيث سقاه، ثم تركه يرعى مع قطيعه. ولم يعد اللقلاق يريد أن يكمل طريق الهجرة. إنه الآن في سهل عكار، يرعى مع الغنم ويداعب الحملان، ويلحق بالراعي الشاب كلما اختفى عن أنظاره، ظانًا أنه سوف يتخلى عنه. وبما أن دور النشر للأطفال في العالم العربي قد أغلقت، فهذه قصة للكبار. قصة راعٍ تلجأ إليه الطيور الهاربة من فظاظة القتلة.

التعليقات

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
12/06/2017 - 23:15

راعٍ تلجأ إليه الطيور الهاربة من فظاظة القتلة. لقارىء هذا الركن البديع أن يقوم بالإسقاط الذي يحلو له، ويعبء من الكلمات الثقال مايريد. ولوْ ،باللبناني. كلام الاستاذ ، لايمكن اكثر، واضح.

منذر عبدالرحمن
البلد: 
النرويج
13/06/2017 - 00:57

ابرع ما قرأت من مقال في هذه الزاوية.

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
13/06/2017 - 01:38

أبدعت ، شكرا لك

Joseph Abi Najem
البلد: 
Liban
13/06/2017 - 04:41

رائع...ليت اللبناني يتعلّم...للأسف لم يتربّى سوى على العنف...والمعاكسة.
شكراً أستاذ سمير.

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
13/06/2017 - 08:06

هذا هو الشرق الأوسط،لا تسمع فيه غير الطق طق،ولا تري في سمائه غير الدخان وغبار المعارك..إذا تلاقي الفيول وأزدحمت،فكيف حال البعوض في الوسط.حفظكم الله أستاذ عطاالله.

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
13/06/2017 - 08:52

اخى الاستاذ سمير حركت فينا المواجع ليت الامر انتهى بنهاية كتاب الاطفال وقصصهم لانه لاتوجد لديهم الان قصة فهم يقتلون يوميا بالبراميل المتفجرة والغازات السامة واخرين لم تترك لهم الامراض الوبائية فرصة ليبنوا قصور الرمال ولا يلعبوا (عسكر وحرامية ) فقد تخلى الحرامية عن السرقة وسط القتلة والجزارين ولم يعد طفل واحد يصف لك شكل القمر ليلة اكتماله بل يستطيع ان يحكى لك عن انواع الصواريخ واخرها الذى سقط على جيرانه فمات كل اصدقاه وحتى اجدادنا وجداتنا الذين يحكون لنا القصص الخيالية وعن شهر زاد والثعلب المكار انشغلوا بالجوالات التى فى ايديهم وهم يواسون بعضهم البعض وكيف يعيشون الرعب اليومى ربنا هذا حالنا وضعفنا ماثل بين يديك

حسن علي أحمد
البلد: 
مصر
13/06/2017 - 15:13

ليت العربي يتعلم كلنا في الهوى سوا

بيسان
البلد: 
الرياض
13/06/2017 - 23:10

يا لفداحة اوجاعنا

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة