صاحب المكتبة... لا صاحب الكتاب: درج المرّ

السبت - 17 يونيو 2017 مـ

صاحب المكتبة... لا صاحب الكتاب: درج المرّ

  • A
  • A
84    54
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
كانت لي مودات كثيرة مع المكتبات وأصحابها. ليس بينها مكتبة كبرى واحدة. ففي المكتبات الكبرى تطرح سؤالك على «الكومبيوتر»، لا على الرجل الذي أمضى عمراً في رعاية المكتبة والكتب. وأحياناً، ورثها عن أبيه، وورث معها عراقة السنين وقوة الألفة ونعمة الخبرات.
ومن «غرائب» بيروت، وربما كان ذلك في مدن عربية أخرى، أن أول مكتبة داومت عليها كانت مجانية. كانت عبارة عن درج طويل في مبنى قديم من مباني ساحة البرج. تعرض القليل من الكتب وجميع المجلات والصحف بالعربية والفرنسية. تدخل وتقرأ، واقفاً، ما استطعت القراءة والوقوف. كل ما هو مطلوب منك أن تلقي التحية على أحد الأخوان المرّ، أصحاب المكتبة. في الخروج، لا ضرورة للتحية؛ لأن أحدهم منهمك في استقبال «زبون» آخر. فإذا اشتريت شيئاً، فمرحباً، وإذا كنت طفراناً، فمرحباً.
أُغلِقت ساحة البرج، وأُغلقت «مكتبة المرّ» قبل أن يتسنى لي أن أسأل، من أين كان يعيش الأخوان المرّ، ما دامت كل بيروت تقرأ صحفها ومجلاتها، وأحياناً كتبها، في ذلك الممر، من دون أن يخطر لأحد، إلا نادراً، أن القراءة أيضا لها ثمن.
لكن تلك لم تكن «مكتبة المرّ» فقط، بل كانت بيروت كلها. أصدقاء، لا زبائن. ورفاق، ليس في الأحزاب، بل في المدينة. والمدينة كانت عبارة عن قرية كبيرة، الناس يعرف بعضهم وجوه بعض، ويتبادلون التحيات، ويركبون نفس «الترامواي»، ويشترون الثياب المتواضعة من المخازن نفسها. ليس بالضرورة بالأسعار نفسها. فإذا كنت لبنانياً أصيلاً، مهارتك مهارة البائع: «فرقت» معك على الأقل خمس ليرات. هل تدري ماذا كانت تشتري الخمس ليرات لك (أو لغيرك) أوائل الستينات؟ دعك من وجع القلب.
لم تتكرر تجربة مكتبة، أو درج المرّ. لا في الزمان ولا في المكان. لكن فوضى القراءة انتقلت إلى مكتبة «بيسان» في الحمراء. حيث الكتب على الرفوف وعلى الأرض وفي المطبخ. ويعرف عيسى، صاحب المكتبة، مكان كل كتاب. وما لا تجده على الرفوف أو على الأرض يكون في المستودع القريب. وعندما يكون عيسى غائباً، يكون حاضراً شقيقه مالك، أو زوجته وابنته. «بيسان» مسألة عائلية كما ينبغي. والآن تتطور إلى دار نشر. ولا أعرف أين سيعثر عيسى على مكان للمنشورات الجديدة.
وألقى المشهد نفسه، ولكن ليس المعاملة نفسها، في «شكسبير آند كومباني» في باريس. وهي مكتبة صغيرة أسست أوائل القرن الماضي لفقراء الكتّاب - الذين أصبحوا أغناهم بعد وفاتهم - مثل جيمس جويس. وأصبحت المكتبة مثل مَعلم سياحي، معظم زبائنها مثل زبائن «درج المرّ، لا يشترون. وإذا اشتروا، فكتاب قديم من الكتب المعروضة في الخارج، عندما لا تكون سماء باريس ماطرة. وكل من يشتري كتاباً له مكافأة، هي عبارة عن ختم «شكسبير آند كو». إذا كنت لا تزال شاباً، لا بأس بهذه الإفادة على أنك مررت في باريس.

التعليقات

نيرو باتماني
البلد: 
سوري
17/06/2017 - 02:33

اختلف معك في سوريا،في مدينتنا،كانت هناك مكتبة واحدة،مكتبة الحرية ،.صاحب المكتبة بعينهه الزرقاوين يحكي المردينلية ..والمكتبة نفسها تغير اسمها ،من كنج ،منعا لاستخدام مفردات غيرعربية،الجميع كان يستقطبهم بيروت والقاهرة،ومنهم ولجنا الى عالم الادب،ومجلة العربي ،من الخليج...لم يكن هناك مكان للوقوف،عليك ان تشتري اوتغادر..
لكن بحق ،وهذا انجازحضاري ، المركز الثقافي العربي،والتابع لوزارةالثقافة،والذي كان موجدا في كل مدينة سورية،كنت تجد كل ماتريد ،ترجمة وتاليفا، ،الذي كان تابعا لوزارة الثقافة والارشاد القومي،...اقرا مجانا ،وخذ كتبك المفضلة اعارة،لمدة اسبوع قابل للتجديد،...المجلات والجرائد لا تستعار...
تعرفنا على حنا مينه وصادقناه،وعلى نجيب محفوظ وافتخرنا به،وعلى همنغواي،وايفو اندريتش،واحببناهم. ،،،الركام تغطي مكاتبنا،ولم يعد هناك فئران لاكل الكتب....

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
17/06/2017 - 11:58

مقالك جميل استاذ سمير عطا الله، تكاد تختفي المكتبات حتى تكاد لا ترى مكتبة في بعض مدننا العربية، علاوة على مهنة صاحب المكتبة واعتقد هذا ليس في بلدننا فحسب بل في العالم. مقالتيك تذكراني بفليم امريكي يطرح المشكلة بشكل موضوعي وفني متقن" You've Got Mail" شكرا لك.

رجب الشلطامي
البلد: 
بنغازي - ليبيا
18/06/2017 - 03:45

الاستاذ سمير ، مدينة بنغازي التي تعرفها كانت ذات زمن مليئة بالمكتبات الخاصة والمراكز الثقافية التابعة للدولة ولبعض السفارات البريطانية والامريكية والمصرية وغيرها ، منذ الاقلاب المشؤم تقلصت ومنعت المراكز الثقافية الاجنية بحجة الاستعمار الخ.. وفي السنوات الاخيرة وحتي اليوم هناك ثلاث مكتبات خاصة تحتوي علي كتب الطعام والابراج والمكياج وفتاوي العثيمين والباز .. اما عن الصحف المحلية ذات القيمةفقد انتهت بالكامل توجد الان بعضها مما يقتات علي الانترنيت وحظك هذا الاسبوع واخبار الوفيات .. وكل عام وانتم بخير ..سلامي للاستاذ بكر عويضة ..

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة