الحرب الأخرى

السبت - 24 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14088]

الحرب الأخرى

  • A
  • A
84    54
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.
في خضم الحروب الصغيرة والكبيرة حولنا، نغفل عن حرب أخرى لا تقل ضراوة واحتداما. لنبدأ القصة من أولها، ففي الرابع من يونيو (حزيران) 1983، كان السيد رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة وقتها في منتجع كامب ديفيد، تلك الليلة بعد أن قرأ بعض الملفات الرسمية توجّه لممارسة هوايته المفضلة، مشاهدة الأفلام، كان الفيلم هو «لعبة الحرب»، البطل كان ماثيو برود ريك، الفيلم يحكي قصة شابين أميركيين يعشقان التكنولوجيا، يدخلان على الجهاز الرئيسي لمحطة الدفاع الجوي الشمالية في الولايات المتحدة، ويعبثان بالأجهزة عن بعد على أنها لعبة كومبيوترية، حتى كادا يشعلان حرباً عالمية ثالثة، هذه المرة نووية. في الأسبوع الذي يليه كان ريغان يرأس لجنة من العسكريين والسياسيين للنظر في تطوير الصواريخ المضادة للصواريخ، بعد قليل من المناقشة سأل ريغان الحاضرين: هل أحد منكم شاهد فيلم «لعبة الحرب»؟ نظر الحضور إلى بعضهم في استغراب: ماذا دهى الرئيس للحديث في وسط كل تلك الأفكار والمشروعات الجدية، ليسأل عن فيلم؟ أجاب الجميع بأنهم لم يشاهدوا الفيلم، فبدأ ريغان يقص قصة الفيلم وسط دهشة الحاضرين، ثم التفت إلى رئيس الأركان الجنرال جون وليام فوس متسائلا: هل يمكن أن يحدث مثل هذا؟ أريد جواباً منك. بعد أسبوع وصل الجواب، بعد أن رجع رئيس الأركان إلى عدد من المؤسسات المتخصصة. الجواب: سيدي الرئيس، المشكلة أعقد مما تتصور، وفي الواقع أكثر خطورة مما شاهدت في الفيلم. هكذا يبدأ كتاب «المناطق المظلمة: التاريخ السري للحرب السيبرانية» لمؤلفه فرد كابلن.
عند قراءة هذا الكتاب يتضح للقارئ كيف دارت وتدور الحرب الأكثر أهمية في تاريخ البشرية المعاصر، وكيف أشعل فيلم سينمائي سباقا غير معروف لكثيرين في الجاسوسية عن بعد. إذ يروي الكتاب أن سؤال الرئيس أطلق ورشة عمل دامت أكثر من عام، ثم خرجت بتقرير شامل في سبتمبر (أيلول) 1984 تحت عنوان «السياسة الوطنية لأمن المعلومات». وقتها كان أول كومبيوتر حضني قد وصل السوق قبل أشهر، وكان ما سُمي بعدها «الانفجار التقني» قيد التشكل.
اليوم أصبحت قراءة الرسائل المتداولة على وسائل الاتصال، والاستماع إلى المكالمات ومعرفة ما يجري على النت، ليست من أعمال المتطفلين، إنها وظيفة جدية وجديدة للدولة، خاصة الدول الكبيرة، كما أصبح لها مؤسسات وميزانيات، كثير منها سري غير معلن. معظم ما يفعله الناس اليوم في الصناعة أو السياسة أو غيرها له علاقة بكومبيوتر ما، من تخصيب اليورانيوم إلى التحكم في سريان المياه في سد عظيم، أعمالها معرضة للحرف أو التحكم أو حتى التعطيل عن بعد. مجتمع المعلومات الحديث من التحويلات البنكية إلى جرس الإنذار في المنزل إلى فرز أصوات الناخبين، يمكن أن يتحكم فيها عن بعد.
حدود المعركة لم تعد الجو والأرض والبحار، أصبحت أيضا الفضاء الإلكتروني. اللعبة كلها لها اسم هو «الاختراق»، من يخترق الآخر ويستمع إلى أسراره ومكنون ما يضمر، ينتصر عليه.
في الستينات كانت الحكمة الغالبة لدى العلماء الأميركان أن روسيا (الاتحاد السوفياتي) والصين يشكلان التهديد للعالم الحر، وأمامهما ثلاثة أو أربعة عقود للحاق بالتقنية الأميركية في هذا المضمار، ثبت أن ذلك ليس كله صحيحاً، فالسباق الدائم قد قلص المدة، وأثبت أن العلماء والسياسيين الأميركان تنقصهم «الحسابات الدقيقة لقياس المسافة». اليوم لم يعد ذلك السباق حكرا على الكبار فقط، بل دخلت شعوب وأقوام ومنظمات بعضها غير شرعية ذلك السباق، وبرزت فيه، ربما على رأس تلك الدول ما كانت تسمى «النامية»! اليوم هناك شركات يدفع لها أموال بشكل سخي «لمعرفة واختبار التهديدات الإلكترونية المحتملة»، بل قد تحدث الاختراقات عن طريق الخطأ، كما تم أخيراً في نشر معلومات عن مائتي مليون مواطن أميركي، تتضمن معلومات وافية عن ميولهم السياسية والعرقية والدينية! بسبب خطأ فني بسيط!
خلال الحرب الباردة كانت للولايات المتحدة محطات استماع (تقنيتها محدودة) في معظم الدول المحيطة بالاتحاد السوفياتي. وفي داخل موسكو في الطابق العاشر من مبنى السفارة الأميركية كانت هناك محطة استماع تتنصت حتى على أحاديث ليونيد بريجنيف نفسه، السكرتير العام للحزب الشيوعي، في السبعينات وبداية الثمانينات. ولم يكن أحد يسمح له بدخول ذلك الطابق. في عهد ميخائيل غورباتشوف في 20 يناير (كانون الثاني) 1987، شبَّ حريق في السفارة، وكان لزاماً أن يدخل رجال الإطفاء الطابق العاشر، فاتصل مسؤول الخارجية الأميركية بالشخص المسؤول عن أمن الطابق ينذره بالخبر، فجاء الجواب: دعها تحترق!
في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، دخلت وكالات التجسس الأميركية في صلب الآلة العسكرية السوفياتية، واستطاعت أن ترسم تقريبا صورة كاملة لمهمات وأعمال تلك المؤسسة، ونقاط قوتها وضعفها، وتوصلت إلى نتيجة، أنه رغم ضخامة الآلة العسكرية السوفياتية فإنها غير حصينة وقابلة للعطب السريع، والعطب الأكبر هو الهوة في التواصل بين فروعها. ذلك ما حدث في حرب تحرير الكويت، فعند الاستعداد لدحر جيش صدام حسين، اكتشف المخططون أنه قد أقام شبكة «فايبر أوبتك» (الألياف البصرية) سريعة تنقل المعلومات من بغداد إلى البصرة، وأيضا أدخلها الكويت بعد الاحتلال، من أجل التواصل السريع مع القيادات الميدانية. تواصل المسؤولون عن تخطيط الحرب مع الشركة الغربية المنفذة للمشروع، فوفرت لهم أماكن مفاتيح التحويل، فتم ضربها من الجو في الطلعات الأولى من فجر 17 يناير 1990. ركن صدام إلى الخيار المتاح الآخر، وهو شبكة «الميكروويف» البطيئة، فتم ضربها من الجو، فاستخدم الدراجات البخارية للتواصل، بعد أن فقد القادة أي اتصال سريع! وبقية القصة معروفة!
أصبح التفوق الكبير في الحرب غير المعلنة اليوم هو التفوق التقني، وما المعركة الدائرة اليوم في الأوساط السياسية الأميركية، حول تدخل روسيا أو عدم تدخلها الإلكتروني في الانتخابات الأميركية العام الماضي، إلا جزءا من قصة هذا الصراع الضخم، والذي تجلى في أماكن أخرى، مثل تسريبات «ويكيليكس» الشهيرة التي ما زالت فصولها تتلى أمام العالم. كما أن تعطيل أكثر من نصف كومبيوترات العالم قبل أشهر أوقع العالم في رعب حقيقي. اليوم يستطيع أي منا أن يقرأ ويتقن العمل في بحر أيام قليلة وعلى الإنترنت «كيف تعطل كومبيوتر عن بعد». مثل هذه المعلومات أصبحت متاحة بسهولة نسبية على الشبكة العنكبوتية، بل أيضا يمكن أن تقرأ هناك كيف تصنع القنابل اليدوية وبقية عدة التدمير الجماعي! طبعا يمكن في نفس الوقت، أن تطلع على أفضل الكتب وأحسن الأفكار! كلها متوفرة بسبب هذا التطور التقني الهائل. إلا أن بيت القصيد لا ينتهي هنا، فنحن المواطنين العاديين وحتى بعض الدول، لا نعرف من جبل الثلج الذي اسمه «ثورة المعلومات» إلا القليل، ففي جعبة الدول الكبرى كثير من الأسرار التي لن أستغرب يوما أن يُعرف عن بعد ما يقوم به الإنسان في حجرة نومه! إنْ ظن أحد أنه مستور إلكترونياً فليعد النظر!
آخر الكلام:
وزراء خارجية دول السوق الأوروبية، اتخذوا إجراء قانونيا مغلظاً الأسبوع الماضي تجاه أي محاولة اختراق لشبكات الإنترنت الأوروبية، تحوطاً للانتخابات العامة الألمانية في شهر سبتمبر المقبل.

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة