قطرة تواضع من أجل قطر

الاثنين - 26 يونيو 2017 مـ

قطرة تواضع من أجل قطر

  • A
  • A
84    54
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
قال الصحافي الشهير للصحافي الناشئ: «قرأت مقالك اليوم وأعجبني. أغلب الظن أنك سمعت الكلام نفسه من آخرين. من واجبي أن أسدي إليك نصيحة، فقد بهرتني قبل عقود رؤية اسمي مطبوعاً في صحيفة ثم تولت الأيام تدريسي. تذكر دائماً أن الصحيفة تموت قبل غروب الشمس. وأن ذاكرة القراء تفضل النسيان. لا تخلط الأحلام بالأوهام. وإذا هبّت عليك رياح الغرور اذهب إلى المكتبة القريبة. حدّق في الكتب المسجاة على الرفوف وأسماء أصحابها. الدرس واضح. كتبوا أفضل منك وحجزوا مقاعدهم. وأقصى ما تستطيعه أنت، إن نجحت، هو أن تكون مجرد نقطة في بحر. التواضع أستاذ دائم والغرور فخ مفتوح. ومع التجارب ستتعلم أن هذا الكلام يصدق في الصحافة والسياسة معاً. أفرط شارل ديغول في مخاطبة فرنسا من فوق رؤوس الفرنسيين فأحالوه إلى التقاعد».

حكاية أخرى. كان معمر القذافي يحب أن يسهر أحياناً مع شعراء ومغنين. وكما غالبية العرب كان يحبّ المتنبي. لكن رواد الخيمة لاحظوا أن ملامحه كانت تشي بالانزعاج إذا قرأ أحدهم واحدة من القصائد التي يمتدح فيها الشاعر سيف الدولة. ألف سنة من الفارق لم تمنع الأخ العقيد من الشعور بالغيرة من سيف الدولة لأنه عثر على من يأخذه إلى التاريخ. نسي أنه من السهل على الحاكم العثور على مدّاحين، لكن من المستحيل العثور على المتنبي. لا يكرر الزمن خطيئة باهرة بهذا الحجم.

إنها مصيبة فعلاً أن يعتقد حاكم يمتلك قوة مالية ضاربة أن التاريخ كلّفه مهمة تغيير ملامح منطقته أو العالم، وينسى أن دوره الأول هو تنمية بلاده وأن الأدوار خارجها يجب أن تكون محكومة بالقوانين والأعراف الدولية. ثمة من يقول إن الأخ القائد ارتجل «الكتاب الأخضر» لينافس «فلسفة الثورة» الذي دبّجه جمال عبد الناصر أو «الكتاب الأحمر» الذي حاكه ماوتسي تونغ. ولنا أن نتخيّل كم كانت ليبيا ستصبح مختلفة لو أن سلوك القذافي اتسم بقدر من التواضع والواقعية. لو أنه اختار بناء جامعة محترمة في ليبيا بدلاً من الإنفاق على «الجيش الأحمر الياباني» وأشباهه. غياب التواضع جعله باهظاً على بلاده وجيرانه والعالم.

حكاية ثالثة. على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2011 في نيويورك رتب الشيخ حمد بن جاسم، رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري آنذاك، عشـــاء مع الشيخ حمد بن خليفة أمير قطر السابق، ودعا إليه محمود جبريل رئيس الحكومة الليبية آنذاك وعبد الرحمن شلقم، ممثل ليبيا في الأمم المتحدة وقتها، ووزير الخارجية السابق. كان الغرض من العشاء تبديد سوء التفاهم الذي حدث حين قاطع أمير قطر جبريل في باريس وأمام نيكولا ساركوزي وديفيد كاميرون رافضاً فكرة جمع السلاح من الثوار لمصلحة مؤسسة أمنية رسمية.

لم تنجح محاولة حمد بن جاسم. فقد كرر الأمير أن جبريل يجب أن يبقى رئيساً للحكومة لكن من دون أن تكون له سلطة على شؤون الأمن والدفاع. وبدا واضحاً أن الدوحة متمسكة بإعطاء عبد الحكيم بلحاج، المقاتل السابق في أفغانستان، الدور الأول في هذا الميدان. انفعل شلقم خلال اللقاء وقال لأمير قطر: «أنا أخاف يا سمو الأمير أن العلم القطري الذي رفع في ميادين بنغازي خلال الأسبوع الأول للثورة سيأتي عليه يوم، إذا استمرت قطر في هذا الاتجاه، سيُعامل بطريقة أخرى». غضب الأمير وأجابه: «لا تقل ذلك يا عبد الرحمن». وكانت النتيجة أن غادر المسؤولان الليبيان بلا عشاء، وتضاعفت قناعة جبريل بالاستقالة من منصبه، وهو ما فعله.

والسؤال هو هل يحق لأمير قطر أو لغيره أن يقرر من يجب أن يبقى رئيساً للحكومة الليبية وبأي صلاحيات حتى ولو قدّم للثورة الليبيــة السـلاح والمال؟ وإذا كان لا يحق لسيد البيت الأبيض وقيصر الكرمليـن أن يفعلا ذلك فكيف يحق لغيرهمــا حتى ولو امتلك عائدات هائلة وماكينة إعلامية هجومية وناجعة؟

تستطيع الدول الصغيرة لعب أدوار كبرى، لكن بتقديم نموذج ناجح أو بالإشعاع الثقافي أو الفكري أو بالنجاح الاقتصادي. القيام بانقلاب كبير على أدوار تاريخية قصة أخرى وتتضمن مقداراً غير قليل من المجازفـــة.

واضح أن من التسرع، إن لم نقل من التهور، أن تتقــدم دولة صغيرة لبناء سياستها على قاعدة تقليم أحجام دول راسخة تعتبر أدوارها طبيعية في أمن الإقليم واستقراره. واضح أن فكرة المثلث السوري - القطري - التركي بُنيت أساسا على قاعدة الرغبة في تقليص الدورين السعودي والمصري في المنطقة. وواضح أيضاً أن الرعاية القطرية لـ«اتفاق الدوحة» اللبنــاني كـانت ترمي إلى تكبيــل «اتفاق الطائف» الذي عقد برعاية سعودية.

قبل عقدين رسمت قطر لنفسها سياسة هجومية تميزت بتدخلات مباشرة وعلنية، خصوصاً في ساحات «الربيع العربي». لم تعد هذه السياسة صالحة حالياً بسبب التغييرات التي شهدتها المنطقة والتغيير الأخير في واشنطن. اصطدمت هذه السياسة بأكثر من جدار، والدليل أن قطر الآن في حال اشتباك مع أكثر من دولة وعاصمة.

تحتاج قطر إلى مراجعة حساباتها. تحتاج إلى قطرة تواضع لا بد منها للتحلي بالواقعية في استخلاص العبر. التواضع يساعد الدولة على فهم حدود دورها. يساعدها أيضاً على فهم حدود أدوار الآخرين. قطرة ضرورية لتجنيب قطر أثمان الطلاق مع بعض جيرانها. إنها قطرة تواضع من أجل قطر نفسها، قبل أن تكون من أجل الآخرين. لا بد من العودة إلى الدولة الطبيعية والأدوار الطبيعية.

التعليقات

كاظم مصطفى
البلد: 
الولايات المتحده الاميريكيه
26/06/2017 - 00:30

قطرة التواضع لن ولم يمكنها من غسل وتبيض الجره المملوءه بالفتن والمشاغبات
والتحريضات

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
26/06/2017 - 04:11

أ.غسان شكراً لمقاك وتوضيحاتك الرائعة:
سيدي ما تقوم به إمارة قطر للأسف الشديد هو لا يخدم سياسة ومصالح الدوحة بشئ كدولة عربية وفي منطقة عربية!-إنما يخدم مصالح وإجندات خارجية وهي تقوم بتنفذ مخططات هذه الدول بالوكالة؟!والحكومة القطرية تعي وتدرك ذلك تماماً ولكنها وقعت في فخ هذه الدول أو ربما من مصلحة الحكومة القطرية تنفيذ هذه الإجندات الخارجية من أجل بقائها في الحكم وعلى حساب الأمن القومي الخليجي والعربي وهذا الشئ غير مستبعد وحقيقي بنسبة 100% وماقامة به الدول الخليجية الثلاث وهي المملكة والإمارات والبحرين ومصر من قطع للعلاقات وإغلاق الأجواء والمنافذ البحرية والبرية مع قطر هو إجراء صحيح وبنسبة مليون% وذلك بعد صبر طويل مؤذي مدمر لدول الخليج والعرب جميعاً ونأمل أن تؤدي هذه الإجراءات والعقوبات التي اتخذتها الدول الأربع بحق(القط)نتائجها المرجوة-يتبع

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
26/06/2017 - 04:38

حتى تتعلم قطر جيداً أن الأمر ليس مجرد لعبة وأنه لا بد وأن تتخذ دول الجوار الخليجي والعربي بحقها عقوبات وإجراءات رادعة لردعها عن ممارسة هذه الادوار الظالمة والمدمرة للدوحة وجيرانها وعمقها العربي؟!المنطقة العربية انكوت بنيران الفتنة والإرهاب واصبحت أجوائنا وأراضينا ومياهنا وحرماتنا ومقدساتنا مستباحة من قبل كل دول العالم؟! بسبب هذه السياسات القطرية وبعض الحكومات العربية أمثال القذافي وصدام حسين وبشار (الضبعة)وغيرهم يجب أن تتعاون جميع الحكومات العربية وأن تضع أمامها خطط وأهداف محددة للتخلص من الوجود والنفوذ الإيراني الراعي والممول للإرهاب وكذلك يجب مقاطعة ومحاربة ومعاقبة أي دولة عربية لاتتعاون مع أشقائها العرب ضد الغطرسة والهيمنة الإيرانية.محاربة (داعش)والقاعدة يجب أن تبدأ بإيران هي الأول طرد إيران هو بمثابة طرد للأرهاب من المنطقة العربية-يتبع

سعيد بن عبيد الكندي
البلد: 
دولة الإمارات العربية المتحدة
26/06/2017 - 05:01

كذلك يجب قطع أي دعم مالي أو معنوي أو سياسي عن أي دولة عربية لا تتعاون مع أشقائها العرب وضد السياسات الخارجية التي تستهدف الأمن القومي العربي؟لقد اصبح الإنسان العربي مجرد رقم لاقيمة له متهم بالتطرف والعنف والإرهاب بسبب بعض السياسات العربية الخاطئة.العرب تحالفوا ووحدوا صفوفهم بالتحالف العربي في اليمن لدعم الشرعية بقيادة المملكة العربية..وواجهوا المخطط الإيراني المدعوم خارجياً واستطاعوا بفضل من الله أن يحققوا انتصارات وأن يكسروا الشوكة الإيرانية واليوم الشرعية اليمنية قريبة جداً من تحقيق الانتصاري النهائي وعودة الأراضي اليمنية المغتصبة من قبل الانقلابيين للشرعية..إذاً التغلب على الخلافات وتحالف العرب مع بعضهم البعض ضد الاطماع الخارجية التي تستهدف أمنهم وحياتهم وحياة آسرهم فيه مصلحة لجميع العرب ويجب التحرك بهذا الاتجاه عاجلاً وليس آجلاً-تحياتي

رشدي رشيد
26/06/2017 - 05:53

قطرة تواضع من قبل حكام قطر لا وجود لها للاسباب التالية:
اولا قطر تحتمي بأمريكا وإيران وتركيا فهي تضن بأنها بذلك قد أمنت سلامتها.
ثانيا قطر تعلم علم اليقين بأن قيامها بزعزعة استقرار المنطقة هو الإسهاب في تنفيذ لما هو منوط بها من حيث المشاركة في تغيير الانظمة التي لا توالم سياساتها مع اطماع إيران وتركيا والمعسكرين الغربي والشرقي.
ثالثا الدور التي تقوم بها قطر هو العامل المهم في تشكيل ملامح الشرق الاوسط الجديد والتي رأينا نتائجها من تدمير للبنى التحتية نتيجة الاٍرهاب الداعشي والقاعدة جنبا الى جنب مع ارهاب ميليشيات الاجرام والقتل الطائفي. لهذه الاسباب وغيرها، حيث لا يسعنا ذكرها جميعا، لن يتنازل حكام قطر عن نهجهم العدواني التدميري والتآمري بسبب وقوف صانعي القرار معهم وتزكيتهم للإنجازات التي قامت بها قطر وهي تنفذ الآن الخطة باء بجدارة عالية.

عبدالعزيز عمر اغا
البلد: 
امريكا
26/06/2017 - 06:07

أتمنى من الله صادقا ، ان يطلع السادة المسؤولين في قطر العزيزة ، على فحوى هذه المقالة الرائعه ، المكتوبة يقلم محب لكل العرب ، وان يجدوا قطرة التواضع من اجل قطر التي أحب ، ، من اجل اخواني القطريين ، اكتب هذة الكلمات وقلبي يتقطر دما على ماحدث لبلدي العراق ، وأخشا ما أخشا ان يكون حال اخواني القطريين ، كحالنا نحن العراقيين ، كان بالإمكان تجنب ماساتنا وخراب بلادنا بقليل من التواضع . بعد خراب العراق وإحساس القيادة الليبيه بالخطر ،عقدت الجامعة في مدينة مصراته الليبيه مؤتمر خاص دعت آليه كل الأساتذة العراقيين للاطلاع على وجهة نظرنا ، ومحاولة منهم لتفادي الكارثة لو حلت بليبيا .
عشرات الأصوات والأقلام النيرة ، مثل هذا القلم الشريف والنزيه ، طالبت العراق بالانسحاب والتواضع ، لكنه اصر على عناده ، ونفس الماساة حصلت في ليبيا ، املا ان يتم تجنب الكارثه

عبدالكريم بزامة
البلد: 
Libya
26/06/2017 - 06:12

اسمتعت بالقراءة لك كما هي عادتي من ايام مجلة الوسط .. مع فترة انقطاع 8 اعوام في سجون القذافي محكوما بالاعدام رميا بالرصاص . عدت للحياة في 2010 ولاشارك في وقائع فبراير 2011 . جلست بحكم ظروف العمل مع القذافي اعوام 1975-1997 عدة مرات .لم اكن تابعا او مداحا , كانت مهمتي ان اضع الحقائق امامه,قلت له مرة ان مونتجمري قائد عسكري خدم 50 عاما وضع عبارة علي صورة قبر مرسوم في لوحة بمكتبه ( هنا يرقد قائد اضاع حياته بالتفاصيل ..الخ) .. رد عليا قائلا : - ( يابزامة انا اريد ان اعرف كل كبيرة وصغيرة اريد معرفة كل شجرة في الغابة ..) ..وكنت شاهدا عليه وهو يتوه في الغابة ... انه الغرور .. لدي ما اقول حول شلقم ومحمود جبريل وتلك الوقائع . كنا رفاق خندق حفره مصطفي عبدالجليل .. لكن الحقائق الناقصة هي كالخندق المكشوف !!.
ختاما لنا في نهاية المتنبي عبرة !!!

د عمر الحسن
البلد: 
London
26/06/2017 - 07:18

صدق في القول وعمق في التحليل ونصيحة حكيم للقيادة الجديدة في قطر وعزم الوقوع في اخطاء ستكلف قطر الكثير شكرا اخ غسان

Suleiman aldrisy
البلد: 
libya
26/06/2017 - 10:23

أستاذ غسان كل عام وأنت بخير نعم مقالة رائعة جدا التواضع هو مفتاح لحل مشاكل كثيرة ولكن عندنا نحن العرب الذي يصعد علي أجنحة النسر الأمريكي فهو لا يري في الدول والشعوب كما يري النسر فريسته من الأعلي كذلك وقع القذافي وسيقع حكام قطر لأنهم لم يعرفوا حقيقة أنفسهم ومن جندهم لتدمير الآخرين لانتهاء الصلاحية المنتج يسحب من السوق

ابورعد
البلد: 
ثادق
26/06/2017 - 10:39

هل القرار في ايدي المسئولين القطريين ؟ ام ان دوحة الفتنة لم تعد تمسك بقرارها؟

محمد الصالح
البلد: 
السعودية
26/06/2017 - 15:17

قطر تسعى الى القوة أو النفوذ في السياسة الدولية ولكن إما أن تكون مثل المنتحر وإما أن تكون مثل النورس جوناثان ليفنجستون في الرواية الامريكية الشهيرة .

ابو طارق
البلد: 
السعوديه
26/06/2017 - 15:32

أصدق وأنبل مقاله كتبت حتى اليوم فيما يتعلق بالأزمة الخليجيه . .
وكأنها المقاله الأخيره في هذه القضيه . قطر .. هل من مستفيد؟!شكراً غسان

عرض الكل
عرض اقل

الأكثر قراءة في الرأي

الوسائط المتعددة