«ذات الرداء الأبيض» لويلكي كولنز... وقصص تشيخوف

الخميس - 10 أغسطس 2017 مـ - رقم العدد [14135]

«ذات الرداء الأبيض» لويلكي كولنز... وقصص تشيخوف

  • A
  • A
د. أحمد الخميسي
نحن لا نكف عن التعلم أبدا، لكن تبقى في الذاكرة أسماء من علمونا في بداية الطريق، مثلها مثل الحب الأول، ربما لأن بواكير انفتاح القلب والعقل تخدش الذاكرة بقوة وعنفوان، فتمكث أبدا. وقد بدأت علاقتي بالقراءة في سن صغيرة ولم يكن أمامي في بيتنا سوى صوان واحد من الكتب، فرغت مما فيه، ولجأت إلي «عم حجازي» الذي كان يعرض الكتب على سور فيلا مهجورة بالقرب منا ويقف بجوارها أمام لوح رسم ممسكا بفرشاة يرسم صور المطربين والنجوم. كنت قد عقدت اتفاقا مع عم حجازي أن أعطيه قرش صاغ مقابل أن أقرأ قدر ما أستطيع من دون أن آخذ كتابا لي أو معي. كنت أخرج من المدرسة وأتجه إليه بحقيبتي وأجلس على الرصيف وأظل أقرأ حتى تعتم الدنيا فأصعد إلى بيتنا. طالعت عنده مغامرات اللص الشريف «آرسين لوبين»، وروايات يوسف السباعي، و«ماجدولين» المنفلوطي، وكل ما هو مطبوع، وفرغت من كتب السور كلها في ثلاثة شهور وكلفني ذلك أقل من جنيه واحد. لكن ذلك الزحام من الكتب والأفكار لم يستوقفني، حتى وقعت بالمصادفة على كتاب ضمن سلسلة روايات الهلال بعنوان «ذات الرداء الأبيض» تأليف ويلكي كولنز (1824 - 1889). حينئذ تغير كل شيء في عقلي وروحي. فقد كانت الرواية تشتمل على كل ما يمكن أن يأسر وجدان شاب صغير ويخرجه من حياته إلى حياة أكبر وأعرض، فقد كانت مزيجا عجيبا سحريا من الرومانسية والدراما العنيفة في إطار بوليسي. هذه الرواية أول ما لفت نظري إلى أن هناك شيئاً اسمه الأدب، وأن الكتاب قد ينطوي على قيمة أعمق من الثرثرة ومن وصف سطح الأحداث والبشر من الخارج. قرأتها وأنا في الثالثة عشرة من عمري ولا أنسى أثرها إلى الآن. الكتاب الثاني الذي هزني في مطلع حياتي كان اسمه «أ.ب. تشيخوف»، عن سيد القصة القصيرة أنطون تشيخوف، عن حياته وهمومه وعاداته ونظرته إلى البشر والحياة. ولو أن هناك روحا لا تفارقني لحظة فهي روح «تشيخوف» الذي نقل القصة القصيرة من عالم الرعب والجريمة والغرائب إلى اكتشاف الرعب تحت سطح الحياة اليومية الاعتيادية، في مجرد حوار بين صديقين أو لحظة سأم عابرة. إنسانياً كان تشيخوف عطوفاً على الضعف الإنساني يستشرف سمو البشر في كل شيء، يكفي أنه القائل: «في الإنسان لا بد أن يكون كل شيء جميلا: روحه وملابسه وأفكاره». أظن أن هذين الكتابين هما اللذان تركا أبلغ الأثر في حياتي وعقلي، وأن أثرهما ما زال ساريا كضوء نجمة من بعيد.
* كاتب مصري

الوسائط المتعددة