مشروع «نبض الحي» يوحد أبناء طرابلس بالموسيقى

الأحد - 13 أغسطس 2017 مـ - رقم العدد [14138]

مشروع «نبض الحي» يوحد أبناء طرابلس بالموسيقى

لنقل الأطفال من عالم الكبار المظلم إلى عالم الألفة
  • A
  • A
الأطفال خلال أحد الاحتفالات التي أقاموها في طرابلس
بيروت: فيفيان حداد
بالموسيقى التي تعد لغة الشعوب الموحدة سيواجه أبناء مدينة طرابلس (شمال لبنان) الحرب بالسلم، والبغض بالحب.

فتحت عنوان «نبض الحي» يلتقي يوميا 300 شاب وصبية تتراوح أعمارهم بين 5 و24 عاما مع 16 موسيقيا تطوعوا لتعليمهم العزف على آلات موسيقية في ثلاثة مراكز استحدثت في ثلاث مناطق من طرابلس (التبانة وجبل محسن والقبة)، التي كانت منذ فترة قصيرة تعيش فيما بينها حربا وقتالا داما لسنوات. فبمبادرة من قبل «مؤسسة الصفدي» وبمشاركة وتمويل «الصندوق الإنساني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (LHF - Ocha) انطلق مشروع «نبض الحي» ليكون بمثابة علاج يبلسم جراح الحقد والبغض اللذين خلفتهما حرب أبناء مدينة واحدة عانوا الأمرين من عالم الكبار المظلم ليساهم في زرع الألفة والمحبة والوحدة والمحبة والفرح في قلوبهم. «لقد نزلت شخصيا إلى شوارع طرابلس ورحت أجمع أولادا كانوا شبه مشردين يمارسون أعمالا بسيطة (عصر الليمون ومسح زجاج السيارات وبيع الزهور) لإعالة أهاليهم في شهر رمضان الكريم. كما التقيت شبابا حبستهم همومهم الحياتية في كاراجات لتصليح السيارات وعجلاتها أو في أفران ومخابز ودكاكين صغيرة يعملون فيها من أجل تأمين لقمة عيش كريمة.» تروي آليان صهيون، مديرة هذا المشروع في «مؤسسة الصفدي» لـ«الشرق الأوسط»، وتضيف: «حالة من الفرح كانت تغمرهم عندما أخبرتهم عن المشروع الذي نحن بصدد القيام به، الذي يؤمّن لهم تعلم العزف على آلات موسيقية كثيرة كالبيانو والناي والعود والأورغ الشرقي والغيتار وغيرها مجانا لتضفي إلى يومياتهم لمسة حنان من نوع آخر».

نجحت آليان بإقناع نحو 700 شخص للانتساب إلى هذا المشروع، تم اختيار 300 منهم بعد أن أجروا تجارب أداء أظهرت مدى حماسهم وشغفهم بالموسيقى أكثر من غيرهم.

وكان قد أشرف على هذه التجارب «مؤسسة الصفدي» بالتعاون مع جمعيات وفعاليات من المجتمع المدني الطرابلسي، وأبرزها «مجلس شباب التبانة» و«جمعية روح الشباب» في جبل محسن، إضافة إلى «أكاديمية شباب القبة.»

ويروي طارق أيوبي، أحد أساتذة الموسيقى الذين تطوعوا للقيام بهذه المهمة كيف أن العنصر الإنساني كان السبب الأول لانضمامه إلى هذا المشروع مع 15 من زملائه، بعد أن أخذوا على عاتقهم تدريب المنتسبين إلى «نبض الحي» ضمن حصص موسيقية كرسوا لها أوقات فراغهم لتنفيذها. «لقد لمست كما غيري من الأساتذة المتطوعين في هذا المشروع تغييرا في سلوك الأطفال والشباب الذين انخرطوا دون تردد في هذه الحصص، فصاروا يتحدثون بهدوء والابتسامة لا تفارق شفاههم بعدما كانوا في المراحل التدريسية الأولى يعانون من القلق والعصبية وملامح الوجه الحزين».

وتشير فاديا دوماني، ابنة طرابلس وصاحبة الفكرة والمديرة التقنية للمشروع، في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نبض الحي» هو بمثابة نبتة سلام أرادت غرسها بين أهل طرابلس من خلال الموسيقى كلغة التواصل والسلام.

خلية نحل تعج بالمتطوعين من موسيقيين ومشرفين ومنظمين لهذا المشروع تعيشها «مؤسسة الصفدي» والمتعاونون معها. فهنا يتسلل إلى سمعك عزف على آلة إيقاع (دف)، وهناك تلحظ حماس فتاة تعزف على الأورغ الشرقي. في حين يقف شاب في المركز المستحدث في منطقة القبة يتحدث مع أستاذه عن اسم المعزوفة التي يرغب في تعلمها؛ كونها تذكره بوالده الراحل، هو الذي ترعرع على قرقعة الصحون والشوك والسكاكين من خلال عمله نادلا في أحد مطاعم طرابلس الشعبية.

أشهر التحضير هذه التي بدأت في فبراير (شباط) الماضي وتخللها إقامة حفلات موسيقية حية في شوارع طرابلس، ستشهد حدثا ضخما تحضر له «مؤسسة الصفدي» في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل «سيشارك جميع هؤلاء من شباب وصبايا وأطفال في حفلة موسيقية كبيرة سنقيمها على أرض (معرض رشيد كرامي) في نهاية فصل الصيف. وستكون أبوابها مفتوحة أمام الجميع مجانا ليشاركونا فرحتنا برؤية قلب مدينة طرابلس ينبض بوحدة أبنائها دون تفرقة ولأي حزب ومنطقة انتموا». توضح صهيون التي وقفت شخصيا على تحقيق أحلام هؤلاء الشباب فعليا على الأرض كما ذكرت لنا، فشاركوا في حفلات صغيرة أقيمت في شوارع طرابلس منذ فترة قصيرة.

«لم أكن أتخيل يوما بأنني سأصبح مشهورة وأقف على مسرح حقيقي أعزف على آلة الأورغ التي أعشقها. فلقد كان هذا الأمر بمثابة حلم يراودني كلما كنت أخلد إلى النوم» تقول دانييلا ابنة الـ11 عاما من جبل محسن. أما عبد الحكيم (12 سنة) الذي يعمل في ورشة لتصليح السيارات في منطقة القبة ويتعلم العزف على العود، فقد ذكر «الموسيقى أخرجتني من عزلتي إذ كنت أخاف أن أقصد منطقة جبل محسن خوفا من التعرض لموقف حرج من قبل أحدهم لاعتقادي بأن أهلها يكرهوننا، لكنني لمست العكس تماما في صفوف الموسيقى التي جمعتنا معا تحت سقف واحد، فصرنا بمثابة إخوة نتحدث بأمور الموسيقى ونضحك معا وكأننا أصدقاء منذ أيام الطفولة». أما جمال السيد (18 عاما) من التبانة، فقد رأى في هذه الخطوة بابا يفتح أمامه آفاقا كثيرة في المستقبل، ولا سيما أنه يعشق الموسيقى منذ صغره، وهو حاليا يتعلم العزف على الأورغ.

9 أشهر هي المدة التي ستستغرقها ولادة نجوم موسيقى في طرابلس بحيث سيترجمون فيها وحدة وطنية، وهي المدة الطبيعية ليرى فيها النور أي منا علها تكون بمثابة انطلاقة حياة جديدة لجيل يلهث وراء السلام وهدوء البال.

الوسائط المتعددة